ستظل لنا خصوصياتنا المتفاعلة مع الواقع المتطلع إلى المستقبل الراغب في الإسهام في الحركة الحضارية القائمة، وفي هذا يقول عبدالرحمن بن صالح العشماوي في كتابه"بلادنا والتميز":"وهذا التميز لبلادنا يجعل مسؤوليتها كبيرة جدًّا في الحفاظ عليها قولًا وعملًا؛ فهو ركنٌ ركين يحفظ كِيانها، ويرفع مكانتها في العالمين. إنَّ بلَدًا هذه مكانته الروحية وهذا تميزه لجَديرٌ أن يُخضِع كلَّ وسيلة من وسائل الحياة المادية لخدمة هذه المكانة، والحفاظ على هذا التميز" [1] .
الشرعية الكاملة لدَينا تقوم"على الاقتران الوثيق بين العقيدة والشرعية بين الدين والدولة؛ وهكذا فإنه في وعيِ المعتدلين (منَّا) أو أتباع التيار الرئيس: هناك منهج إسلامي كامل في شتى مَناحي الحياة العقليَّة والشعورية والمادية، ومن جوانب هذا المنهج ضرورةُ أن يكون النظام السياسي أداةً بيد الدِّين؛ من أجل اكتمال تطبيق المنهج" [2] ، وليس العكس؛ فلا يكون الدين أداة بيد النظام السياسي.
وكما يقال ذلك عن الشأن السياسي يُقال أيضًا عن الشأن الاقتصادي؛ لا سيما أن هذا الدين القويم قد أتى بالحلول الاقتصادية التي تُخرج الناس من جَوْر الرأسمالية وضنك الاشتراكية إلى سعَة التعامل مع المال، بحيث لا تكون الرِّبحية هي المعيارَ الوحيد أو الأمثلَ للكفاءة الاقتصادية [3] .
يقول رضوان السيد:"ليس من حقِّ أحد أن يطلب منا التخلِّيَ عن ثوابتنا، أو حتى القول بنسبية الحقيقة؛ بل المطلوب منا تطبيق منهج التعارُف القرآني، الأقربِ من التسامح إلى طبيعة الإسلام، والتعارُف هو المعرفة المتبادلة، وهو الاعتراف المتبادَل بالحق في الاختلاف؛ قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118، 119] ، وهذا الحق لا يمكن أن ينبني إلا على المعرفة والتعارف، وأن نعيش عصرنا وعالَمَنا، ولا خشية على الهُويَّة والانتماء من الانفتاح؛ لأن الهوية المنفتِحة والمتجددة هي الباقية، ولا واصلَ بين الثوابت والمتغيرات غير منهج التعارف" [4] .
(1) - انظر: عبدالرحمن صالح العشماوي. بلادنا والتميز: مقالات نثرية - ط 2 - الرياض: مكتبة العبيكان 1424 هـ/ 2003 م، ص 7 - 14.
(2) - انظر: رضوان السيد. الهوية الثقافية بين الثوابت والمتغيرات - التسامح - ع 13 (شتاء 1427 هـ/ 2006 م) ، ص 23 - 32.
(3) - انظر: أحمد جمال الدين موسى الخصخصة - القاهرة، نهضة مصر 2007، ص 32. (سلسلة الموسوعة السياسية للشباب 1) .
(4) - انظر: رضوان السيد. التعدد والتسامح والاعتراف: نظرة في الثوابت والمفاهيم والتجربة التاريخية - التسامح - ع 12 (خريف 1426 هـ/ 2005 م) ، ص 11 - 20. وقد استكملت الآيات برسم المصحف.