-والملاحَظ هنا أن معظم الأُطروحات السلبية من العولمة إنما نعرفها بالهيمنة عمومًا، والأمريكيَّة خصوصًا، حتى قيل: إنها"أمرَكة"أكثر من كونها عولمةً ذاتَ اتجاهين [1] .
-ومع أن مصطلح العولمة مخادع فإنَّ فيه كذلك تضليلًا وتزييفًا لوعي الأمم والشعوب [2] ، اختلطت فيه مفهوماتٌ قديمة - كالتنصير والغزو الفكريِّ أو الغزو الثقافي - بلفظٍ أكثرَ قَبولًا وأكثرَ حياديَّة من تلك المصطلحات، التي اكتسبَت على مرِّ الزمن مفهوماتٍ غيرَ مقبولة في أذهان العرب والمسلمين وغيرهم من الأمم التي أدركَت أن هذا النهج لا يعدو كونَه تلاعبًا بالألفاظ، وفي الوقت نفسه الإبقاء على مفهومات قديمة موجَّهة إلى المجتمعات النامية [3] .
-ومن هنا يأتي رفضُ العولمة عند بعض المفكرين؛ بحجة أنها - بمفهوماتها لا بلفظها - تتعارض مع الإسلام، مع أنَّ هناك طرحًا استَقبل المصطلح من مفهوم أنَّ الإسلام نفسه دين عولمي، ويستفيد من العولمة، لا سيما العولمة الثقافية والاتصالية والتِّقانية، ثم أخيرًا العولمة الاقتصادية التي كانت هي مبعثَ هذا المفهوم، وذلك بعد الهِزَّة الاقتصادية التي أودَت بالعالم في شهر رمضان المبارك من سنة 1429 هـ الموافق سبتمبر 2008 م، فالتفَتَ الاقتصاديون إلى التفكير - مجرد التفكير - في البدائل للرَّأسمالية، فوجَدوا من البدائل الحاضرة والممارَسَة المنهجَ الإسلاميَّ في الاقتصاد؛ حيث يدور حوار جادٌّ وتخصُّصي حول إمكانية تبَنِّي هذا المنهج، إلى أن وصل النقاش والحوار في النظر إلى تبنِّي المفهوم الإسلامي للاقتصاد إلى الأجهزة البرلمانية في الدول الغربية (الكونجرس الأمريكي نموذجًا) .
-ولا بد من الاعتراف بأن عناصر مستفيدة من الوضع الاقتصادي المتأزم ستَسعى إلى الحيلولة دون النظر في هذا البديل الفاعل، وربما ساندهم فيه بعضٌ من مفكِّري العربية الذين آمَنوا بالنَّموذج الغربي منهجًا للحياة، وما اقتنَعوا بجدوى البديل؛ على اعتبار أنه ذو دلالة دينية غير مقبولة لمن عَدُّوا الدِّين قيدًا من القيود التي تَحول دون الإقلاع، وربما كان بعضهم داخلًا في
(1) - انظر: إبراهيم نافع. انفجار سبتمبر بين العولمة والأمركة - القاهرة: مركز الأهرام للترجمة والنشر، 1422 هـ/ 2002 م، ص 256.
(2) - انظر: حسين عبدالهادي. العولمة النيوليبرالية وخيارات المستقبل - جدة: مركز الراية للتنمية الفكرية 1424 هـ/ 2004 م، ص 106.
(3) - انظر: سميح عاطف زين. عالمية الإسلام ومادية العولمة - بيروت: الشركة العالمية للكتاب 1423 هـ/ 2002 م، ص 62 - 73.