أفكهم فيه فعلى هذا الوجه نتأول هذه الآية ومعنى قوله من بعد (وَ قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) [1] .
وقال الشيخ ابن العثيمين (ت 1421 هـ) في الرد علي المعتزلة في قول إبراهيم عليه السلام لقومه: (قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ* وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ) تحتمل معنيين:
المعنى الأول: أن تكون (ما) مصدرية والمعنى: خلقكم وخلق عملكم، وهذا نص في أن عمل الإنسان مخلوق لله تعالى.
والمعنى الثاني: أن تكون (ما) اسمًا موصولًا، ويكون المعنى: خلقكم وخلق الذي تعملونه؟ فكيف يمكن أن نقول: إن الآية دليل على خلق أفعال العباد على هذا التقدير؟
والجواب: أنه إذا كان المعمول مخلوقًا لله، لزم أن يكون عمل الإنسان مخلوقًا، لأن المعمول كان بعمل الإنسان، فالإنسان هو الذي باشر العمل في المعمول، فإذا كان المعمول مخلوقًا لله، وهو فعل العبد، لزم أن يكون فعل العبد مخلوقًا فيكون في الآية دليل على خلق أفعال العباد على كلا الاحتمالين [2] .
و يقول القاضي: [مسألة] وربما قيل في قوله تعالى (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ ولكِنَ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ ولكِنَّ اللَّهَ رَمى) كيف يصح ذلك مع القول بأن اللّه تعالى لا يخلق أفعال العباد. وجوابنا أنه صلّى اللّه عليه وسلم كان يرمي يوم بدر واللّه تعالى بلغ برميته المقاتل فلذلك أضافه تعالى الى نفسه كما أضاف الرمية أوّلا اليه بقوله اذ رميت والكلام متفق بحمد الله [3] .
و يقول في تفسير قوله تعالي: فأما قوله تعالى: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) فلا يدل على ما نقوله المجبرة، من أنه تعالى يخلق أفعال العباد، وذلك أن الآية واردة في النار وعذابها، فقال تعالى: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) فبين ذلك أنه لا يعذب أحدا إلا بقدر استحقاقه.
ولو حمل على العموم، لصلح أن يقال: إن كل شيء خلقه بقدر؛ لأنه ممن لا يجوز عليه السهو والغفلة في أفعاله تعالى، كالواحد منا، فلا يقع الشيء إلا مقدرا [4] .
(1) - تنزيه القرآن عن المطاعن، للقاضى عبد الجبار الهمذاني المعتزلي (ص 354) .
(2) - شرح الأربعين النووية، لمحمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421 هـ) ، الناشر: دار الثريا للنشر، عدد الأجزاء: 1)، (ص 73) .
(3) - المصدر نفسه، (ص 158 - 159) .
(4) - متشابه القرآن 1 - 2 للقاضي عبد الجبار الهمداني، تحقيق: الدکتور عدنان محمد زرزور جامعة دمشق، الناشر: دار التراث، القاهرة، أعده للشاملة: محمد طاهر عبد الظاهر الأفغاني، [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع] ، (ج 2 ص 142) .