و مسألة الرؤية في الجنة لصالح المؤمنين ثابتة بالآيات و الأحاديث و لقد أجمع عليه الصحابة و التابعين و الإئمة عليه کما يقول الإمام ابن کثير (ت 774 هـ) : وَهَذَا بِحَمْدِ اللَّهِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ، وَهُدَاةِ الْأَنَامِ [1] .
و قد بلغ الأحاديث الواردة في رؤية الله لصالح المؤمنين في الجنة مبلغ التواتر، کما يقول الإمام ابن کثير: ثُمَّ قَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [2] .
و منه ما روي الأمام البخاري و إمام مسلم في صحيحيه عن جرير بن عبد الله قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةً - يَعْنِي البَدْرَ - فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} [3] .
ب - أفعال العباد:
يقول القاضي [مسألة] وربما قيل في قوله تعالى (أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ واللَّهُ خَلَقَكُمْ وما تَعْمَلُونَ) أ ليس في ذلك تصريح بخلق أعمال العباد؟
وجوابنا ان المراد واللّه خلقكم وما تعملون من الأصنام فالاصنام من خلق اللّه وانما عملهم نحتها وتسويتها ولم يكن الكلام في ذلك فانه صلّى اللّه عليه وسلم أنكر عبادتهم فقال أ تعبدون ما تنحتون وذلك الذي تنحتون، اللّه خلقه ولا يصح لما أورده عليهم معنى إلا على هذا الوجه وذلك في اللغة ظاهر لأنه يقال في النّجّار عمل السرير وان كان عمله قد تقضى وعمل الباب ونظير ذلك قوله تعالى في عصا موسى (فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) المراد ما وقع
(1) - تفسير القرآن العظيم، لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774 هـ) ، المحقق: سامي بن محمد سلامة، الناشر: دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة: الثانية 1420 هـ - 1999 م)، عدد الأجزاء: 8)، (ج 8 ص 280) .
(2) - المصدر نفسه.
(3) - متفق عليه:
أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، المحقق: محمد زهير بن ناصر الناصر الناشر: دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي) ، الطبعة: الأولى، 1422 هـ)، عدد الأجزاء: 9)، (ج 1 ص 115 رقم الحديث: 554) و اللفظ له.
و أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، المحقق: محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت، عدد الأجزاء: 5)، (ج 1 ص 439 رقم الحديث: 633) .