الصفحة 30 من 40

العلماء والزهاد وأهل العقول لا الى من يعتريه الضعف واذا وسوس ضعف قلب من يخصه بالوسوسة فتغلب عليه المرة فيتخبط كما يتفق ذلك في كثير من الانس اذا فعلوا ذلك بغيرهم [1] .

و يقول القاضي: [مسألة] وربما قيل في قوله تعالى (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) [2] أ ليس ذلك يدل على ان الشيطان يؤثر في الانسان حتى أمرنا بأن نتعوذ من شرّه وانتم تقولون إنه لا على شيء من ذلك؟

وجوابنا أنه تعالى بيّن أن هذا الوسواس من الجنّة والناس ومعلوم ان من يوسوس من الناس لا يخبط ولا يحدث فيمن يوسوس له تغيير عقل وجسم فكذلك حال الشيطان ومع ذلك فلا بد في وسوستهم من أن يكون ضرر يصح ان يتعوذ باللّه تعالى منه وهذا يدل إذا تأمله المرء على قولنا بان العبد مختار لفعله وذلك لأنه تعالى لو كان يخلق كل هذه الامور فيه لم يكن لهذا التعوذ معنى لأنه إن اراد خلق ما يضره فيه وخلق المعاصي فيه فهذا التعوذ وجوده كعدمه وانما ينفع ذلك متى كان العبد مختارا فاذا أتى بهذا التعوذ كان أقرب الى ان لا يناله من قبل الجنة والناس ما كان يناله لو لا ذلك [3] .

قال الإمام القرطبي (ت 671 هـ) : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ إِنْكَارِ مَنْ أَنْكَرَ الصَّرْعَ مِنْ جِهَةِ الْجِنِّ، وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ فِعْلِ الطَّبَائِعِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَسْلُكُ فِي الْإِنْسَانِ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ مَسٌّ ... [4] .

و قال الشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) في ذلک الموضوع: وَكَذَلِكَ دُخُولُ الْجِنِّيِّ فِي بَدَنِ الْإِنْسَانِ ثَابِتٌ بِاتِّفَاقِ أَئِمَّةِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ [5] .

و قال البيضاوي (ت 685 هـ) في تفسير هذه الآية: لاَ يَقُومُونَ إذا بعثوا من قبورهم. إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ إلا قيامًا كقيام المصروع، وهو وارد على ما يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع، والخبط ضرب على غير اتساق كخبط العشواء. مِنَ الْمَسِّ أي الجنون، وهذا أيضًا من زعماتهم أن الجني يمسه فيختلط عقله ولذلك قيل: جَنَّ الرجلُ. وهو متعلق ب لاَ يَقُومُونَ أي لا يقومون من المس

(1) - تنزيه القرآن عن المطاعن، للقاضي عبد الجبار، (ص 54) .

(2) - الناس: 1 - 6).

(3) - المصدر نفسه، (ص 490) .

(4) - الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، لأبي عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671 هـ) ، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر: دار الكتب المصرية - القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384 هـ = 1964 م)، عدد الأجزاء: 20 جزءا (في 10 مجلدات) (ج 3 ص 355) .

(5) - الفتاوى الكبرى لابن تيمية، لتقي الدين أبي العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي الدمشقي (المتوفى: 728 هـ) ، الناشر: دار الكتب العلمية، الطبعة: الأولى، 1408 هـ = 1987 م)، عدد الأجزاء: 6)، (ج 3 ص 13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت