فهرس الكتاب
من حبوب الحنطة ويباكر الأسواق لشراء قوته ليومه مخافة أن يرزأ شيئًا من مدخره وتتبع ذلك في الأقاليم والبلدان تجد في الأخلاق أثرًا من كيفيات الهواء والله الخلاق العليم وقد تعرض المسعودي للبحث عن السبب في خفة السودان وطيشهم وكثرة الطرب فيهم وحاول تعليله فلم يأت بشيء أكثر من أنه نقل عن جالينوس ويعقوب بن إسحاق الكندي أن ذلك لضعف أدمغتهم وما نشأ عنه من ضعف عقولهم وهذا كلام لا محصل له ولا برهان فيه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم." [1] "
وأكثر من هذا فقد بين ابن خلدون أن طبيعة العمران، من خصوبة وجفاف وجوع، يؤثر في طباع الناس وأحوالهم وأجسادهم وأبدانهم. فأهل البوادي والصحارى والقفار الجافة يتعودون على الجوع والصبر والتكيف مع الطبيعة، وتكون أجسامهم قوية وخشنة وصلبة، ويميلون إلى العبادة والتقشف، وتحدي الظروف المناخية والطبيعية والمعيشية بقوة وصلابة وشجاعة. في حين، يعيش سكان المدن والأراضي الخصبة في بحبوحة العيش، ونعيم الحياة، وبريقها اللامع، ويتلذذون بما طاب من الطعام والشراب والنساء، ويميلون إلى الترف واللهووالمجون، ويكونون أكثر عرضة للهلاك من أصحاب البوادي والنجود القاحلة. وفي هذا، يقول ابن خلدون:"اعلم أن هذه الأقاليم المعتدلة ليس كلها يوجد بها الخصب ولا كل سكانها في رغد من العيش بل فيها ما يوجد لأهله خصب العيش من الحبوب والأدم والحنطة والفواكه. لزكاء المنابت واعتدال الطينة ووفور العمران وفيها الأرض الحرة الترب لا تنبت زرعًا ولا عشبًا بالجملة فسكانها في شظف من العيش مثل أهل الحجاز وجنوب اليمن ومثل الملثمين من صنبهاجة الساكنين بصحراء المغرب وأطراف الرمال فيما بين البربر والسودان، فإن هؤلاء يفقدون الحبوب والأدم جملةً وإنما"
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 70.