أضف إلى ذلك أن الدولة تنتهي مع مرحلة البذخ والترف والمجون والانحلال الأخلاقي، وخاصة عندما تغير قبيلة ما على أطراف الدولة في مرحلة التضعضع والسقوط والاضمحلال، فتنتصر على تلك الدولة، ثم تؤسس ملكها وسلطانها، وتخضع للمراحل نفسها التي مرت بها الدولة السابقة إلى أن تنهزم أمام قبيلة أخرى، وهكذا دواليك. ومن هنا، تتقوى الدولة بقوة العصبية والشوكة، والتمسك بالدين والعقيدة والنسب والولاء. ويتم هذا التحول من طور البداوة إلى طور الحضارة أومن خشونة البداوة إلى رقة الحضارة بمقتضى طبع العمران أوالدورة العصبية. ومن ثم، فهذا غير خاضع لقوانين التفسير العلي أوالسببي.
يستند ابن خلدون إلى منهجية جديدة في دراسة التاريخ والظواهر المجتمعية، تقوم، بالأساس، على استخدام العقل في فحص المرويات والأخبار والمنقولات، وإخضاعها للتأمل الفلسفي والتجريب الواقعي، والتريث جيدا في قبول الروايات، واستعمال النقل كلما كان الأمر ملزما لذلك. ومن ثم، فمنهجية ابن خلدون استقرائية تهدف إلى استنباط القوانين التي تتحكم في مجرى التاريخ وتطور المجتمعات، مثل: قوانين العمران البشري (النشأة، والمجد، والاضمحلال، والموت) . ومعناها أن الدولة تنشأ مثل الإنسان، وكلما وصلت الدولة مبلغ القوة والمجد، فإن لم تحافظ على ذلك بقوة العصبية والنسب والولاء والعقيدة، ومالت إلى حياة الترف والرفاهية والمجون والخنوع والتقاعس عن العمل والجهاد، إلا وكان مصير هذه الدولة الاضمحلال والفناء والموت، وهذه سنة الحياة تجري على الإنسان، كما تجري على حياة الدول والممالك.