والله أعلم من أن غلب الغالب لها ليس بعصبية ولا قوة بأس لم إنما هوبما انتحلته من العوائد والمذاهب تغالط أيضًا بذلك عن الغلب وهذا راجع للأول ولذلك ترى المغلوب يتشبه أبدًا بالغالب في ملبسه ومركبه وسلاحه في اتخاذها وأشكالها بل وفي سائر أحواله وانظر ذلك في الأبناء مع آبائهم كيف تجدهم متشبهين بهم دائمًا وما ذلك إلا لاعتقادهم الكمال فيهم وانظر إلى كل قطر من الأقطار كيف يغلب على أهله زي الحامية وجند السلطان في الأكثر لأنهم الغالبون لهم حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى ولها الغلب عليها فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير كما هوفي الأندلس لهذا العهد مع أمم الجلالقة فإنك تجدهم يتشبهون بهم في ملابسهم وشاراتهم والكثير من عوائدهم وأحوالهم حتى في رسم التماثيل في الجدان والمصانع والبيوت حتى لقد يستشعر من ذلك الناظر بعين الحكمة أنه من علامات الاستيلاء والأمر لله. وتأمل في هذا سر قولهم العامة على دين الملك فإنه من بابه إذ الملك غالب لمن تحت يده والرعية مقتدون به لاعتقاد الكمال فيه اعتقاد الأبناء بآبائهم والمتعلمين بمعلميهم والله العليم الحكيم وبه سبحانه وتعالى التوفيق [1] .""
وهكذا، فقد ركز ابن خلدون، في مقدمته، على العمران البشري، ولاسيما العمران العربي الإسلامي في العصر الوسيط، حيث قسمه إلى عمران بدوي وعمران حضري. ومن ثم، فالتاريخ هوعبارة عن حركة انتقالية من البداوة إلى الحضارة عبر الدولة. ومن هنا، فالدولة تعيش مجموعة من الأطوار من نشأتها إلى موتها وفنائها واضمحلالها، وقد لاتتعدى الدولة في حياتها مائة وعشرين سنة أوثلاثة أجيال متعاقبة. ويتخذ هذا المسار طابعا هرميا دوريا، وليس خطا مستقيما.
(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 118.