الصفحة 28 من 68

والحفر إذا زال توحشها بمخالطة الآدميين وأخصب عيشها كيف يختلف حالها في الانتهاض والشدة حتى في مشيتها وحسن أديمها وكذلك الآدمي المتوحش إذا أنس وألف وسببه أن تكون السجايا والطباخ إنما هوعن المألوفات والعوائد وإذا كان الغلب للأمم إنما يكون بالإقدام والبسالة فمن كان من هذه الأجيال أعرق في البداوة وأكثر توحشًا كان أقرب إلى التغلب على سواه إذا تقاربا في العدد وتكافآ في القوة العصبية وانظر في ذلك شأن مضر مع من قبلهم من حمير وكهلان السابقين إلى الملك والنعيم ومع ربيعة المتوطنين أرياف العراق ونعيمه لما بقي مضر في بداوتهم وتقدمهم الآخرون إلى خصب العيش وغضارة النعيم كيف أرهفت البداوة حدهم في التغلب فغلبوهم على ما في أيديهم وانتزعوه منهم وهذا حال بني طيء وبني عامر بن صعصعة وبني سليم بن منصور ومن بعدهم لما تأخروا في باديتهم عن سائر قبائل مضر واليمن ولم يتلبسوا بشيء من دنياهم كيف أمسكت حال البداوة عليهم قوة عصبيتهم ولم تخلفها مذاهب الترف حتى صاروا أغلب على الأمر منهم وكذا كل حي من العرب يلي نعيمًا وعيشًا خصبًا دون الحي الآخر فإن الحي المتبدي، يكون أغلب له وأقدر عليه إذا تكافآ في القوة والعدد سنة الله في خلقه." [1] "

وبناء على ماسبق، يرى ابن خلدون أن المغلوب دائما متأثر بالغالب في عاداته وتقاليده وأزيائه وأعرافه وقوانينه. وفي هذا، يقول ابن خلدون:"والسبب في ذلك أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أولما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هولكمال الغالب فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقادًا فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به وذلك هوالاقتداء أولما تراه"

(1) - ابن خلدون: نفسه، ص: 111 - 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت