ومن هنا، يرى الجابري أن الخلدونية توجه إلى الماضي، وما يهمنا نحن هوتغيير مسارها نحوالمستقبل، بأخذ إيجابياتها، وترك سلبياتها وعوائقها. وفي هذا، يقول الجابري:"الخلدونية مشروع نظري وواقع حضاري. إنها في آن واحد نظرية في التاريخ العربي وجزء من هذا التاريخ نفسه. وعلى الرغم من أننا أكدنا ونؤكد، أن ما يستهوينا ويبهرنا في الخلدونية هوأنها تتحدث إلينا عما لم نستطع نحن الكلام فيه بعد، فلا بد من التأكيد من جهة أخرى على أنه لايمكن أن نحققها نظريا إلا إذا ألغيناها واقعيا. وبعبارة أخرى، لنحصل على الخلدونية كنظرية مستقبلية تخطط لنهضتنا. وهذا ما لن يتم لنا إلا إذا تحررنا من عوائقها الإبستمولوجية وجعلناها ترى في حاضرنا نحن ما لم تكن تراه في حاضرها هي. إنه البعد الاقتصادي في الصراعات الاجتماعية في الوطن العربي الذي يجب رصده وراء النزعات الطائفية والتحركات العشائرية، في الماضي والحاضر. إن إبراز هذا البعد معناه كسر عوائق التطور في مجتمعنا وتحرير عقولنا من سيطرة اللامعقول. إن دعوة المستقبل بل رسالته تطلب منا تحرير واقعنا من السلاسل والقيود الفكرية والمجتمعية التي جعلت الخلدونية تبقى بدون مستقبل وتهددنا نحن كذلك بنفس المصير."
إن ما تبقى من الخلدونية هوما يجب أن ننجزه وليس ما أنجزته." [1] "
وعليه، فمازال ابن خلدون، إلى يومنا هذا، صورة مضيئة ومتوهجة في تاريخ الفكر العربي. وبالتالي، لم تكن فلسفته التاريخية، ولاتصوراته الاجتماعية، جزءا من ماض عربي - إسلامي قد انتهى، بل مازال ابن خلدون يعيش معنا في الحاضر بأفكاره الاجتماعية النيرة، ومازال حيا معنا بتصوراته النظرية والمنهجية والتطبيقية المتجددة، ومازال العمران
(1) - محمد عابد الجابري: نفسه، ص: 329 - 330.