كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول طرق استثمار أحكام الفقه الإسلامي في إعداد التشريعات وصياغتها؛ بما يتفق ومتطلَّبات المرحلة الحالية التي تتميز بمظاهرَ متعددة، تنبئ عن صحوة إسلامية شاملة، وفي ثنايا هذا الحديث نكاد نلمس اتجاهاتٍ متباينةً إزاء تقنين أحكام الفقه الإسلامي.
فهناك اتجاه يربط بين الحكم الشرعي والحكم الفقهي، ويَنظر إلى ما ورد في كتب الفقه المختلفة عبر العصور المتعاقبة على أنه شرع الله الذي وضعه لعباده، ولا نجاة لمن يَحيد عنه.
ثم يتشعب هذا الاتجاه إلى طريقين:
يلتزم أهل الطريق الأول بمذهب فقهي معين، يتبعون إمامه، ويدافعون عن رجاله، ويطبقون ما حوته كتبه من آراء وأحكام، معتقدين أنه الصواب، وما عداها خطأ وضلال.
أما أهل الطريق الثاني فيَضيق ذرعهم بما يجدون في الكتب الفقهية من اختلاف في الحكم بين المذاهب المتعددة، بل بين الأقوال المتعددة في المذهب الواحد، فيَدْعون إلى طرح الخلافات، ونبذ الأقوال، وتوحيد المذاهب الفقهية، وجمعها في قانون موحَّد يطبَّق على جميع المسلمين.
وعلى النقيض من ذلك: نجد اتجاهًا رافضًا تبناه عدد من الجماعات الإسلامية - على بُعد الشُّقة فيما بينها - لا يقبل أحكام الفقه الإسلامي ولا أقوالَ الأئمة المجتهدين، ويرفض كثيرًا من أدلة الأحكام؛ كالإجماع والقياس والاستحسان، وبناءِ الأحكام على المصالح المرسلة أو سدِّ الذرائع، ومن بين أنصار هذا الاتجاه مَن يحكم على المقلدين للمذاهب الفقهية - بعد القرن الرابع الهجري وحتى الآن - بأنهم أهلُ كفر وجاهلية؛ لتقديسهم صنم التقليد المعبود من دون الله.
وهذه الجماعات الإسلامية تتمسك بظواهر النصوص دون استِكْناهِ أسرارها ومقاصدها، حتى لو أدى بها الأمر إلى الوصول لحكم لم يقل به أحدٌ من السلف أو الخلف، ولا يَقبله منطق سابق أو لاحق.
من هنا تأتي فائدة هذه الدراسة التي تركز في فصلٍ أولَ على تحديد المفاهيم؛ وذلك ببيان المقصود من أحكام الفقه الإسلامي ومصطلح"التقنين"، ثم عرض الحُجج التي يَستند إليها أنصار"التقنين"، ومبررات الدعوة إلى نبذ فكرة"التقنين".
أما الفصل الثاني فسيَتعرض محاولات تقنين أحكام الفقه الإسلامي، وتقييمها في ضوء الواقع العلمي والتطبيقي، سواء أكانت هذه المحاولات"رسمية"أم كانت"شخصية".
وأخيرًا تقدِّم في فصل ثالث اقتراحًا لمنهج عِلمي وعمَلي نحو"تقنين أحكام الفقه الإسلامي".