الصفحة 32 من 49

? وبالفعل، فعندما طالبهم موسى بالوفاء بما عاهدوه عليه - مِن الإيمان به وإطلاق سراح بني إسرائيل: {إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ} أي يَنقضون عهودهم، ويُقيمون على كُفرهم وضلالهم، {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ} حينَ جاء الأجل المحدد لإهلاكهم، {فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا} : أي فأغرقناهم في البحر بسبب تكذيبهم بالمعجزات التي ظهرتْ على يد موسى {وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} : أي وكانوا عن هذه المعجزات غافلينَ لا يَلتفتونَ إليها.

? واعلم أنّ هذه الآيات السابقة تُظهِر ضعف الإنسان عند نزول البلاء به، حيثُ يَفزَع إلى اللهِ تعالى فيَدعوه ويتضرع إليه، وعِندَ رَفْع البلاء يَنسى ما نَزَلَ به، ويعودُ إلى ما كان عليه من المعاصي، إلا مَن آمن وعمل صالحًا، فإنه يَصبر عند البلاء، ويَشكر عند النَعماء.

الآية 137: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ} : أي وأورثنا بني إسرائيل الذين كانوا يُستَذَلُّون للخدمة: {مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا} - (وقد اختلف العلماء في معنى مشارق الأرض ومغاربها، فبعضهم قال إنها أرض الشام، إذ لها مشارق ومغارب، وبعضهم قالَ إنها أرض مصر، لأنها هي التي كانت تحت تصرف فرعون في ذلك الوقت، وبعضهم قال:(هي مصر والشام معًا) ، واللهُ أعلم).

? وهذه الأرض التي أورثناها لهم هي {الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} بإخراج الزروع والثمار والأنهار، {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} : أي وصَدَقَ وَعْدُ اللهِ لبني إسرائيل بإهلاك عدوهم والتمكين في الأرض، وهذا الوعد هو المذكور في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ} ، وهو نفس الوعد الذي أخبرهم به موسى حين قال لهم: {عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ} ، (وقد سَمَّى اللهُ هذا الوعد بـ {الحُسنى} لأنه وَعْدٌ بما يُحبون) .

? وقد كان هذا التمكين لبني إسرائيل {بِمَا صَبَرُوا} : أي بسبب صَبْرهم على أذى فرعون وقومه، {وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} من السلاح والحدائق والمَزارع، وغير ذلك، {وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ} : أي وكذلك دَمّرنا ما كانوا يَبنون من الأبنية والقصور العالية، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم قومًا آخرينَ غيرهم.

الآية 138: {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ} أي قطعنا بهم البحر فاجتازوه إلى شاطئه سالِمين، {فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ} : أي فمَرُّوا على قومٍ يُقِيمون {عَلَى} عبادة {أَصْنَامٍ لَهُمْ} ، فـ {قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} : أي اجعل لنا صَنَمًا نَعبده كما لهؤلاء القوم أصنامٌ يعبدونها، {قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ} أي تَجهلونَ عَظمةَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت