وفى تكراره لمن جعل البسملة من الفاتحة أَقوال:-
قيل: كرّر للتَّأْكيد (على معنى الرحمة العام والشامل) .
وقيل: كُرِّر لأَن المعنى: وجب الحمد لله لأَنه هو الرَّحمن الرَّحيم .. (فكانت رحمانيته سببًا وجيهًا لدوام حمده) .
وقيل: إِنما كُرِّر لأَن الرحمة هى الإِنعام على المحتاج وقد ذُكر في الآية الأَولى المنعِم في قوله (بسم الله الرحمن الرحيم) ولم يذكر المنعَم عليهم، فأَعادها مع ذكرهم، وقال: (ربِّ العالمين، الرحمن بهم أَجمعين الرحيم بالمؤمنين خاصَّة يوم الدين، ينعم عليهم ويغفر لهم) .
وقيل: لمَّا أَراد ذكر يوم الدين لأَنه مِلكه ومالكه، وفيه يقع الجزاءُ، والعقاب، والثواب وفى ذكره يحصل للمؤمنين مالا مزيد عليه: من الرعب والخشية، والخوف، والهيبة، فما بال غيرهم .. قدَّم عليه ذكر الرَّحمن الرحيم تطمينًا له، وتأمينًا، وتطييبًا لقلبه، وتسكينًا، وإِشعارًا بأَن الرَّحمة سابقة غالبة، فلا ييأَس ولا يأْسى فإِن ذلك اليوم - وإِن كان عظيمًا عسيرًا - فإِنما عُسْره وشِدّته على الكافرين؛ وأَمَّا المؤمن فبَيْن صفتى الرَّحمن الرَّحيم من الآمنين ا. ه.
قلت: وأيًا ما كان من محاولة العلماء بيان حكمة تكرار"الرحمن الرحيم"هنا كآيةٍ مستقلةٍ مع ذكرها في البسملة .. فإن الواضح أن الله سبحانه أراد التأكيد للناس مرةً ثانية على مضمون علاقته بعباده .. وخصوصا في القرآن الكريم الذي هو دستور حياة المؤمنين .. بأن هذه العلاقة هى أولًا وأخيرًا علاقة الرحمة العامة الشاملة .. فمن أرادها في الدنيا والآخرة فليتبع هذا القرآن الذي هو بتعاليمه ومواعظه رحمة للمؤمنين ..
فالله رب الجميع من أطاعه ومن عصاه .. يخلقهم ويرزقهم ويمهلهم ويرسل لهم الرسل بالهدايات ويحلم عنهم .. وهذه رحمة عظيمة ..
واقرأ الحديث القدسي لتعرف شيئا عن رحمة الله بعباده .. يقول الله عز وجل:"ما من يوم تطلع شمسه إلا وتنادي السماء تقول يا رب إئذن لي أن أسقط كسفا على ابن آدم؛ فقد طعم خيرك ومنع شكرك وتقول البحار يا رب إئذن لي أن أغرق ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. وتقول الجبال يا رب إئذن لي أن أطبق على ابن آدم فقد طعم خيرك ومنع شكرك. فيقول الله تعالى: دعوهم دعوهم لو خلقتموهم لرحمتوهم إنهم عبادي فإن تابوا إلي فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم"رواه الإِمام أحمد بن حنبل في مسنده"."
والله قابل للتوبة من عباده المخطئين الضالين، بل هو سبحانه يدعو عباده للرجوع والتوبة إليه، فهو تعالى {غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} [غافر: 3] .. وهو يدعو عباده فيقول لهم {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا} [هود: 3] .. ويقول سبحانه {وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) } [هود: 90] .. وهذه رحمة أخرى عظيمة ..