الصفحة 30 من 57

إذن ففي الفاتحة تأتي {الرحمن الرحيم} بمعنى رحمة الله في ربوبيته لخلقه، فهو يمهل العاصي ويفتح ابواب التوبة لكل من يلجأ اليه.

وقد جعل الله رحمته تسبق غضبه. وهذه رحمة أخرى تستوجب الحمد و الشكر.

روى البخارى ومسلم وغيرهما عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم:"لما قضى الله الْخلق - وَفِي رِوَايَة مُسلم: لما خلق الْخلق، كتب فِي كِتَابه، فَهُوَ عِنْده فَوق الْعَرْش: إِن رَحْمَتي تغلب غَضَبي"وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ:"غلبت غَضَبي".

وَأخرجه البُخَارِيّ من طريق آخر فيه قَالَ: إِن الله لما قضى الْخلق كتب عِنْده فَوق عَرْشه: إِن رَحْمَتي سبقت غَضَبي"."

وهكذا تتوالى الرحمات التي يحيط بها وصفه تعالى بالرحمن الرحيم في أول ما يطالعنا من كتابه العظيم .. لبيان أن أول ما يعاملنا الله تعالى به من صفاته وأسمائه هو (الرحمة) العامة والخاصة وكل له في الرحمة نصيب، وقد فاز من حصّل أسباب رحمته العامة والخاصة ..

فإن هذه البداية العظيمة بالرحمة في (بسم الله الرحمن الرحيم) .. والتي تتكرر وتتأكد كآية مستقلة تصف"رب العالمين"بأنه"الرحمن الرحيم".. توحي بأن كل ما يتوالى من كلام الله بعد ذلك في كتابه هو من معين الرحمة الربانية العظيمة ينهل .. قال ربنا تبارك وتعالى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } [يونس: 57 - 59] ..

ولعل هذا هو السر الكريم لوصف كلام الله وهدايته لخلقه في القرآن بالهدى والرحمة تسع مرات في كتابه الكريم .. {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) } [النحل: 64] ..

ومما يؤكد هذا المعنى ان اسم الله تعالى"الرحمن"هو الإسم الوحيد في أسمائه الحسنى الذي جعله علمًا عليه سبحانه، يصفه بباقي أسمائه ويسند إليه أفعاله سبحانه .. بل ويجعل قرينًا لاسم الذات العلية"الله".. وهذه ميزات لا تجدها لغير اِسمه تعالى"الرحمن"...

{ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59) } [الفرقان: 59]

{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) } [طه: 5]

{قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]

فأنت ترى أن الله تعالى وصف استوائه على عرشه فوق خلقه بالرحمانية دون سواها من أسمائه إعلاما لهم بأنه خلقهم ويرحمهم .. فكل فعله فيهم فعل مُلكٍ ورحمة .. وهذا سرٌ لا يكاد يستشعر معناه سوى المتدبرين لكلام الله وأرواح معانيه الكريمة ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت