الصفحة 9 من 57

التعبير مألوف عند جميع الأمم، ومنهم العرب، وهو أن الواحد منهم إذا أراد أن يفعل أمرا ما لأجل أمير أو عظيم بحيث يكون متجردا من نسبته إليه ومنسلخا عنه، يقول: أعمله باسم فلان، ويذكر اسم ذلك الأمير أو السلطان؛ لأن اسم الشيء دليل وعنوان عليه ..

فإن المؤمن يمضي ويقول ويسير (بسم الله) ..

وهل هناك أشرف من هذا .. وهل هناك أعز وأرقى للعقل والروح والقلب من الوجود (بسم الله) ..

ذلك لأنه هو (الله) الذي له كل الكمال والجلال والجمال .. الخالق الرازق القيوم .. الذي يستحق العبادة ولا يستحقها سواه .. [1]

المتفرد بذاته وصفاته وأفعاله .. لا نِدَّ له فيها ولا شريك ولا شبيه ...

** وهو سبحانه (الرحمن الرحيم) ..

وهما [اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة التي وسعت كل شيء، وعَمَّت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله. فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم فلهم نصيبٌ منها] [2] .

ووصفه- سبحانه- في البدء بالرحمن الرحيم، يستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها .. وهو المختص وحده باجتماع هاتين الصفتين، كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن.

ومهما يُختلَف في معنى الصفتين: أيتهما تدل على مدى أوسع من الرحمة، فهذا الاختلاف ليس مما يعنينا، إنما نخلص منه إلى استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها.

قال ابن عباس:"الرحمن الرحيم"هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر.

(1) جاء في مختصر تفسير ابن كثير للصابوني (1/ 19) :

(اللَّهِ) علمٌ عَلَى الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُقَالُ إِنَّهُ (الِاسْمُ الْأَعْظَمُ) لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِجَمِيعِ الصِّفَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلى هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} الآيات، فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات .. وَهُوَ اسْمٌ لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ تَبَارَكَ وتعالى ولهذا لا يعرف له - في كلام العرب - اشتقاقٌ، فهو اسم جامد (ليس مشتقًا) وقد نقله الْقُرْطُبِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمُ (الشَّافِعِيُّ) و (الغزالي) و (إمام الحرمين) وقيل: إنه مشتقُّ من أله يأله إلاهةً، أي عبد عبادة، وقيل: مشتقُّ من وله إذا تحيّر، لأنه تعالى يحار الفكر في حقائق صفاته، وقيل: مشتقُّ مِنْ ألهتُ إِلَى فُلَانٍ: أَيْ سَكَنْتُ إِلَيْهِ، فَالْعُقُولُ لَا تَسْكُنُ إِلَّا إِلَى ذِكْرِهِ، وَالْأَرْوَاحُ لَا تَفْرَحُ إِلَّا بِمَعْرِفَتِهِ، لِأَنَّهُ الْكَامِلُ على الإطلاق دون غيره، قال تعالى: {أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تطمئنُ القلوب} ، وقد اختار الرازي أنه اسم غير مشتق البتة، وَهُوَ قَوْلُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ وَأَكْثَرُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ.

(2) تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص: 39)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت