من نسخ المصاحف، سدا لذريعة الاختلاف في القران الذي هو اصل الدين. قال الشاطبي في الاعتصام(ثم روي عن انس ابن مالك: ان حذيفة ابن اليمان كان يغازي اهل الشام مع اهل العراق في فتح ارمينية وأذربيجان، فأفزعه اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان: يا أمير المؤمنين! ادرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب كما اختلفت اليهود والنصارى، فأرسل عثمان الى حفصة: ان ارسلي الي بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها عليك، فأرسلت حفصة بالصحف الى عثمان ...
قال: ففعلوا حتى اذا نسخوا الصحف في المصاحف، بعث عثمان في كل أفق بمصحف من تلك المصاحف التي نسخوها، ثم امر بما سوى ذلك من القراءة في كل صحيفة او مصحف ان تحرق) [1] .
ثم قال (ولم يرد نص عن النبي صلى الله عليه وسلم بما صنعوا في ذلك، ولكنهم رأوه مصلحة تناسب تصرفات الشارع قطعا، فآن ذلك راجع الى حفظ الشريعة، والأمر بحفظها معلوم، والى منع الذريعة للاختلاف فيها وفي اصلها الذي هو القرآن، وقد علم النهي عن الاختلاف في ذلك بما لا مزيد عليه) [2] .
فالشاطبي يرى أن مصلحة توحيد المصحف لا ترجع الى نص معين، لأنه لا يوجد نص معين من الشرع يأمر بتوحيد المصحف، وانما ترجع الى اصل كلي هو اصل سد الذريعة، واصل سد الذريعة الذي ترجع اليه هذه المصلحة، هو قاعدة كلية مأخوذة، لا من نص معين، وانما من استقراء ادلة لا تنحصر في الشرع، فقد دلت نصوص كثيرة على معنى سد الذريعة حتى افادت فيه القطع، وصار قاعدة قطعية تجري مجرى النص العام في قوة انطباقها على الوقائع الجزئية التي تندرج تحتها، ومن هذه الادلة امتناع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل المنافقين لأنه ذريعة الى اتهامه بانه يقتل اصحابه،
(1) الاعتصام ج 3, ص 14, 15.
(2) الاعتصام ج 3, ص 16.