المُهَوِّن لكل مصيبة ومِحنة، وذلك {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} مِن نَصرٍ وغنيمة، {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} مِن خوفٍ وهزيمة، {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
الآية 154: {ثُمَّ} كان من رحمة الله بكم أيها المؤمنون المخلصون أن {أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً} أي ألقى في قلوبكم اطمئنانًا وثقة في وعد اللهِ تعالى، مِن بعد ما نزل بها مِن هَمّ وغَمّ، وكان مِن أثر هذا الأمن والاطمئنان أن أنزل عليكم {نُعَاسًا يَغْشَى} أي يُغطي {طَائِفَةً مِنْكُم} وهم أهل الإخلاص واليقين، {وَطَائِفَة} أُخرى {قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي أهَمَّهم تخليص أنفسهم خاصَّةً دونَ المؤمنين، و {يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّة} : يعني إنهم أساؤوا الظن بربهم وبدينه وبنبيه صلى الله عليه وسلم، وظنوا أنّ اللهَ لن يُتِمُّ أمْرَ رسوله، وأن الإسلام لن تقوم له قائمة، ولذلك تراهم نادمين على خروجهم للقتال، فـ {يَقُولُونَ} لبعضهم: {هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ} أي هل كان لنا مِن اختيار في الخروج للقتال؟
{قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} فهو الذي قدَّرَ خروجكم وما حدث لكم، وهم {يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَك} من الحسرة على خروجهم للقتال، فـ {يَقُولُونَ} سِرًَّا فيما بينهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} : أي لو كان لنا الاختيار، ما خرجنا ولا قاتلنا ولا أصابنا الذي أصابنا، فأطْلَعَ اللهُ رسوله على سِرِّهِم، وقال له: {قُلْ} لهم: إنّ الآجال بيد اللهِ وحده، و {لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ} ، وقدَّر اللهُ لكم أن تموتوا: {لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم} أي لَخرج الذين كَتب اللهُ عليهم الموت إلى حيث يُقْتلون، {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ} : يعني وما جعل اللهُ ذلك - الذي حدث في"أُحُد"- إلا ليختبر {مَا فِي صُدُورِكُمْ} من الشك والنفاق، {وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} : أي ولِيَمِيزَ الخبيث من الطيب، وليَظهر للناس أمر المنافق (مِن أقوالِهِ وأفعالِه) ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} .
الآية 155: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} : يعني إن الذين فرُّوا عن القتال يوم التقى المؤمنون والمشركون في غزوة"أُحُد": {إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا} : يعني إنما أوقعهم الشيطان في هذا الذنب العظيم (وهو الفرار من الجهاد) بسبب بعض ما اكتسبوه مِن مُخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث تركوا مواقعهم، ونزلوا لطلب الغنيمة، فخذلهم اللهُ بسبب ذلك الذنب، فلم يُثبِّت أقدامهم في القتال، {وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} : أي تجاوَزَ عنهم فلم يعاقبهم، {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} ، فيُمهِلُ عباده حتى يتوبوا، فيتوبَ عليهم ويَغفر لهم، ولو لم يكن حليمًا: لَعاقبَ مِن أول ذنب، ولم يُمَكِّن أحدًا من التوبة والنجاة.