الآية 33، والآية 34: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى} أي اختار {آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ} وفضَّلهم {عَلَى الْعَالَمِينَ} : أي على عالَمِي زمانهم، وهؤلاء الأنبياء والرسل كانوا {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ} : أي سلسلة طُهْر متواصلة في إخلاصهم للهِ تعالى وتوحيده والعمل بِوَحْيِه، {وَاللَّهُ سَمِيعٌ} لأقوال العباد {عَلِيمٌ} بنيَّاتهم وأفعالهم، ولذلك يَصطفي مِنهم مَن يَعلمُ استقامته قولًا وفِعلًا، وهذا مِثل قوله تعالى: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} .
الآية 35: {إِذْ} : أي اذكر حينَ {قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ} أي جعلتُ لك {مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا} أي خالصًا لك، لخِدمة بيت المَقدس {فَتَقَبَّلْ مِنِّي} ، {إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ} لدعائي {الْعَلِيمُ} بنِيَّتي.
الآية 36: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} لا تصلح للخدمة في بيت المقدس، {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} وسوف يَجعل لها شأنًا، ثم قالت امرأة عِمران: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ} الذي أردتُ للخدمة {كَالْأُنْثَى} في ذلك، لأنّ الذَكَر أقوى على الخدمة، {وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ} {وَإِنِّي أُعِيذُهَا} : أي أحَصِّنها {بِكَ} {وَذُرِّيَّتَهَا} : أي وكذلك أحَصِّن ذريَّتها بك {مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} أي المطرود من رحمتك.
الآية 37: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ} : أي فاستجاب اللهُ دعاءها، وقَبِلَ منها نَذرها - ولم يَقبل أنثى مَنذورة غير مريم - وكذلك عصم مريم وولدها مِن مَسِّ الشيطان عند الولادة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين: (ما مِن مولودٍ يُولد إلا والشيطانُ يَمَسُّهُ حين يُولَد، فيَستَهِلُّ صارخًا مِن مَسّ الشيطان، إلا مريم وابنها) ، وذلك استجابةً لدعاء امرأة عمران: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} ، واعلم أنّ كلمة: {بِقَبُولٍ حَسَنٍ} توضح أنّ هناك زيادة في رضاه تعالى عن امرأة عمران.
{وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} : أي وتولَّى ابنتها مريم بالرعاية والتربية منذ ولادتها، فقد جعل زكريا عليه السلام كافلًا لها، قال تعالى: {وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا} فأسكَنَها في مكان عبادته: لِيُرَبِّيها على أكمل الأحوال، فنشأتْ في عبادة ربها، وكانَ
(1) (*) وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب:"التفسير المُيَسَّر"(بإشراف التركي) ، وأيضًا من"تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب:"أيسر التفاسير"لأبو بكر الجزائري) (بتصرف) ، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير.
-واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية) ، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً) ، حتى نفهم لغة القرآن.