الآية 52: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ} أي من اليهود {الْكُفْرَ} : أي إلاصرار على الكفر برسالته: نادَى في أصحابه المخلصين، فـ {قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} يعني: مَن يكون معي في نُصرة دين الله؟، {قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} وهم أصفياء عيسى {الذين اختارَهم لِصُحبته} : {نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} : أي نحن أنصار دين اللهِ والداعون إليه، {آَمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} أي وَاشْهَدْ يا عيسى بِأَنّنَا مستسلمون للهِ تعالى بالتوحيد والطاعة.
? وفي هذا دليل على أنّ دينَ اللهِ واحدٌ وهو الإسلام، وذلك على مُختلف الأزمان والعصور، قال تعالى: {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ، ولكنّ الشرائع هي التي اختلفت، كما قال تعالى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} ، ثم خُتِمَت بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم التي نَسخت جميع الشرائع المُنزَّلة، قال تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} ، ولذلك تَعهَّدَ اللهُ تعالى بحِفظ القرآن، قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} ، وقال تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} ، أمَّا الكتب السماوية الأخرى فإنّ اللهَ لم يَتعهد بحفظها، ولكنه وَكَلَ حِفظَها إلى الأحبار والرُهبان، كما قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ} ، ولذلك أصابها التحريف.
الآية 53، والآية 54: {رَبَّنَا آَمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ} أي عيسى عليه السلام، {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} : أي فاجعلنا في الآخرة مع مَن شَهِدوا لك بالوحدانية ولأنبيائك بالرسالة، وهم أمّة محمد صلى الله عليه وسلم، (الذين يَشهدون للرسل بأنهم قد بلَّغوا أمَمَهم) ، فلَمّا قام الحواريون مع عيسى بنُصرة دين اللهِ وإقامة شَرعه، آمنَتْ طائفة مِن بني إسرائيل بعيسى، وكفرتْ طائفة أخرى، فاقتتلت الطائفتان، فلهذا قال تعالى: {وَمَكَرُوا} : أي ومَكر الذين كفروا - من بني إسرائيل - بعيسى عليه السلام، بأن وَكَّلوا به مَن يَقتله، {وَمَكَرَ اللَّهُ} بهم، حيثُ ألقى
(1) (*) وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب:"التفسير المُيَسَّر"(بإشراف التركي) ، وأيضًا من"تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب:"أيسر التفاسير"لأبو بكر الجزائري) (بتصرف) ، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو التفسير.
-واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحديًا لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى: (مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية) ، وإننا أحيانًا نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً) ، حتى نفهم لغة القرآن.