شَبَه عيسى على رجلٍ دَلَّهم عليه، فأمسَكوا به، وقتلوه وصلبوه (ظنًا منهم أنه عيسى عليه السلام) ، {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} .
? وفي هذا إثبات صفة المَكْر للهِ تعالى على النحو الذي يَليقُ بجلاله وكماله، لأنه مَكْرٌ بحق، وفي مقابلة مَكْر الماكرين، وقد كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: (وامكُر لي ولا تمْكُر عليّ) (انظر صحيح الترمذي: 355) ، ومِمَّا يَجب أن يُعلَم أنَّ أفعالَ اللهِ تعالى لا تُشبه أفعال العباد، لأنّ ذاتَهُ سبحانه لا تُشبه ذَواتِهم.
الآية 55: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى} : أي اذكر - أيها الرسول - مَكْرَ اللهِ بهؤلاء اليهود حين قال لعيسى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} : يعني إني قابضك من الأرض - حَيًّا - مِن غير أن يَنالك سُوء، ومُتمِّم لك ما كُتِبَ لك مِن أيام بقاءك مع قومك، {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} ببدنك وروحك، (واعلم أن بعض المُفسرين قد فسَّروا قوله تعالى لعيسى: {إِنِّي مُتَوَفِّيكَ} ، أنه ألقَى عليه النوم، ثم رفعه إليه، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} ، فأطلق سبحانه لفظ الوفاة على النوم، واللهُ أعلم) ، {وَمُطَهِّرُكَ} : أي ومُخَلِّصُك {مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا} {وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ} أي الذين هم على دِينك الحق (مِن توحيد الله تعالى، ومِن البِشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم) ، فآمَنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد بعْثَته، والتزموا شريعته، فأولئك سأجعلهم {فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ} .
? وبالفعل، فقد أخبر سبحانه - في آيةٍ أخرى - بأنه أيَّدَ المؤمنين منهم على عَدُوِّهم، فأصبحوا ظاهرين عليهم، حتى بَعَثَ اللهُ نَبِيَّهُ محمدًا صلى الله عليه وسلم، فكان المسلمون هم المُتبعين لعيسى حَقيقةً، فأيَّدهم اللهُ تعالى ونَصَرَهم على اليهود والنصارى وسائر الكفار، وإنما يَحصل في بعض الأزمان انتصار الكفار على المسلمين، وذلك حِكمةً مِن الله تعالى، وعقوبةً للمسلمين على تَرْكِهم العمل بكتاب ربهم وسُنَّة رسولهم صلى الله عليه وسلم، {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} مِن أمْر عيسى عليه السلام.
? واعلم أنّ في قولِهِ تعالى: {وَرَافِعُكَ إِلَيَّ} : دليلٌ على عُلُوّ اللهِ تعالى واستوائِهِ على عرشهِ حَقيقةً، كما دَلَّت على ذلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، مِن غير تشبيهٍ - لهذا الاستواء - ولا تَكييف (يعني مِن غير أن نقول: كيف استوى على العرش؟) ، وسيأتي تفصيل ذلك في مَوضعه بإذن اللهِ تعالى.