الآية 56: {فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا} بالمَسيح من اليهود، أو غَلَوا فيه من النصارى (أي جاوَزوا الحَدّ في تعظيمه) ، {فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا} بالقتل والأَسْر وإزالة المُلك، {وَالْآَخِرَةِ} : أي وأعذبهم في الآخرة بالنار، {وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} يَنصرونهم ويَدفعون عنهم عذاب الله.
الآية 57: {وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ} أي يُعطيهم اللهُ ثوابَ أعمالهم - يوم القيامة - كاملًا غير منقوص، {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} الذين يَظلمون الناس، والذين يَظلمون أنفسهم بالشِرك والكفر والمعاصي، (واعلم أنّ معنى ظُلمهم لأنفسهم أنهم يُعَرِّضونها - بذنوبهم - لغضب اللهِ وعقابه) .
الآية 58: {ذَلِكَ} الذي {نَتْلُوهُ عَليْكَ} : أي الذي نَقصُّه عليك في شأن عيسى هو {مِنَ الْآَيَاتِ} : أي من الدلائل الواضحة على صحة رسالتك، وذلك باعتراف علماء النصارى أنفسِهِم، مِثل النَجاشِي (مَلِك الحَبَشة) وَمَن معه، فحِينما تَلا عليهم جعفر بن أبي طالب آياتٍ مِن سورة مريم، حتى وَصَل إلى قول اللهِ تعالى - حِكايةً عن عيسى: {وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ} ، قال النَجاشيُّ لِجعفر: (إنَّ الذي قلتَ -(وهو القرآن) -، والذي قال عيسى - (وهو الإنجيل) - لَيَخرُجُ مِن مِشكاةٍ واحدة) - (وهو اللهُ تبارك وتعالى) ، {وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} : أي وهذا الذي نتلوه عليك هو من الدلائل الواضحة على صحة هذا القرآن الحكيم الذي يَفصل بين الحق والباطل.
الآية 59: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ} : يعني إنَّ خَلْقَ اللهِ لعيسى مِن غير أب، مَثَلُهُ كَمَثل خَلْق اللهِ لآدم من غير أب ولا أم، إذ خَلَقَهُ من تراب الأرض {ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ} بَشرًا {فَيَكُونُ} ، فدَعوَى ألوهية عيسى لِكَونِهِ خُلِقَ من غير أب دَعوَى باطلة، لأنّ آدم عليه السلام خُلِقَ من غير أب ولا أم، وقد اتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله، وإلاَّ، فقد كانَ آدمُ هو الأوْلَى بهذا الادِّعاء.
? ويُلاحَظ هنا أنّ اللهَ تعالى قال: {خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} ، رَغمَ أنه كانَ مِن المُتوَقَّع أن يقول: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكان) أي بصيغة الماضي - اتفاقًا مع سِياق الآية - ولكنه سبحانه أراد أن يُوضح أنّ هذا الأمر - وهو أمْر: (كُن فيكون) - يَتحقق في كل وقتٍ وحِين (في الماضي وفي المُستقبَل) ، فكأنه سبحانه أراد أن يقول: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَكان، وكذلك يكونُ أيّ شيءٍ يُريده، في أيّ وقتٍ يُريده) .
الآية 60: {الْحَقُّ} : أي الذي جاءك أيها الرسول في أمر عيسى هو الحقُّ {مِنْ رَبِّكَ} {فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} : أي فاستمِرّ على يَقينك، ولا تكن من الشاكِّين، (وفي هذا تثبيتٌ وطَمأنَة للرسول صلى الله عليه وسلم وأمّته) .