يَعْنِي بِالْعَيْنِ، وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ بِوُجُودِ كَثِيرٍ مِنَ الْقُوَى وَالْخَوَاصِّ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ كَمَا يَحْدُثُ لِمَنْ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مَنْ يَحْتَشِمُهُ مِنَ الْخَجَلِ فَيَرَى فِي وَجْهِهِ حُمْرَةً شَدِيدَةً لَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ وَكَذَا الِاصْفِرَارُ عِنْدَ رُؤْيَةِ مِنْ يَخَافُهُ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَسْقَمُ بِمُجَرَّدِ النَّظَرِ إِلَيْهِ وَتَضْعُفُ قُوَاهُ وَكُلُّ ذَلِكَ بِوَاسِطَةِ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْوَاحِ مِنَ التَّأْثِيرَاتِ وَلِشِدَّةِ ارْتِبَاطِهَا بِالْعَيْنِ نُسِبَ الْفِعْلُ إِلَى الْعَيْنِ وَلَيْسَتْ هِيَ الْمُؤَثِّرَةُ وَإِنَّمَا التَّأْثِيرُ لِلرُّوحِ وَالْأَرْوَاحُ مُخْتَلِفَةٌ فِي طَبَائِعِهَا وَقُوَاهَا وَكَيْفِيَّاتِهَا وَخَوَاصِّهَا فَمِنْهَا مَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَدَنِ بِمُجَرَّدِ الرُّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ اتِّصَالٍ بِهِ لِشِدَّةِ خُبْثِ تِلْكَ الرُّوحِ وَكَيْفِيَّتِهَا الْخَبِيثَةِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّأْثِيرَ بِإِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَلْقِهِ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلَى الِاتِّصَالِ الْجُسْمَانِيِّ بَلْ يَكُونُ تَارَةً بِهِ وَتَارَةً بِالْمُقَابَلَةِ وَأُخْرَى بِمُجْرِدِ الرُّؤْيَةِ وَأُخْرَى بِتَوَجُّهِ الرُّوحِ كَالَّذِي يَحْدُثُ مِنَ الْأَدْعِيَةِ وَالرُّقَى وَالِالْتِجَاءِ إِلَى اللَّهِ وَتَارَةً يَقَعُ ذَلِكَ بِالتَّوَهُّمِ وَالتَّخَيُّلِ فَالَّذِي يَخْرُجُ مِنْ عَيْنِ الْعَائِنِ سَهْمٌ مَعْنَوِيٌّ إِنْ صَادَفَ الْبَدَنَ لَا وِقَايَةَ لَهُ أَثَّرَ فِيهِ وَإِلَّا لَمْ يَنْفُذِ السَّهْمُ بَلْ رُبَّمَا رُدَّ عَلَى صَاحِبِهِ كَالسَّهْمِ الْحِسِّيِّ سَوَاءً] [1]
(1) - فتح الباري (10/ 200، 201) .