(الحديث الثاني) :"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَعَوَّذُ مِنْ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتْ الْمُعَوِّذَتَانِ فَلَمَّا نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا" [1]
قال المناوي [ (كان يتعوذ من الجان) أي يقول أعوذ بالله من الجان (حتى نزلت) المعوذتان فلما نزلتا (أخذ بهما وترك ما سواهما) أي مما كان يتعوذ به من الكلام غير القرآن لما ثبت أنه كان يرقي بالفاتحة وفيهما الاستعاذة بالله فكان يرقي بها تارة ويرقي بالمعوذتين أخرى لما تضمنتاه من الاستعاذة من كل مكروه إذ الاستعاذة من شر ما خلق تعم كل شر يستعاذ منه في الأشباح والأرواح والاستعاذة من شر الغاسق وهو الليل وآيته أو القمر إذا غاب يتضمن الاستعاذة من شر ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة والاستعاذة من شر النفاثات تتضمن الاستعاذة من شر السواحر وسحرهن والاستعاذة من شر الحاسد تتضمن الاستعاذة من شر النفوس الخبيثة المؤذية والسورة الثانية تتضمن الاستعاذة من شر الإنس والجن فجمعت السورتان الاستعاذة من كل شر فكانا جديرين بالأخذ بهما وترك ماعداهما. قال ابن حجر: هذا لا يدل على المنع من التعوذ بغير هاتين السورتين بل يدل على الأولوية سيما مع ثبوت التعوذ بغيرهما وإنما اكتفى بهما لما اشتملتا عليه من جوامع الكلم والاستعاذة من كل مكروه جملة وتفصيلا] [2]
قال ابن حجر [الْمُرَادَ بِالْمُعَوِّذَاتِ سُورَةُ الْفَلَقِ وَالنَّاسِ وَالْإِخْلَاصِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ التَّفْسِيرِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ أَوِ الْمُرَادُ الْفَلَقُ وَالنَّاسُ وَكُلُّ مَا وَرَدَ مِنَ التَّعْوِيذِ فِي الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بك من همزات الشَّيَاطِين فاستعذ بِاللَّه من الشَّيْطَان الرَّجِيم وَغَيْرِ ذَلِكَ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى .... وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَاتُ فَأَخَذَ بِهَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهَا وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ التَّعَوُّذِ بِغَيْرِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ وَلَا سِيَّمَا مَعَ ثُبُوتِ التَّعَوُّذِ بِغَيْرِهِمَا وَإِنَّمَا اجْتَزَأَ بِهِمَا
(1) - صحيح الجامع (4902)
(2) - فيض القدير (5/ 202)