وَأَمَّا الْحَسَدُ الْمَذْمُومُ كُلُّهُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْيَهُودِ:"وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ"يَوَدُّونَ أَيْ يَتَمَنَّوْنَ ارْتِدَادَكُمْ حَسَدًا فَجَعَلَ الْحَسَدَ هُوَ الْمُوجِبَ لِذَلِكَ الْوُدِّ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنَّكُمْ قَدْ حَصَلَ لَكُمْ مِنْ النِّعْمَةِ مَا حَصَلَ؛ بَلْ مَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُمْ مِثْلُهُ حَسَدُوكُمْ وَكَذَلِكَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:"أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا""فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا"وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} {مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} {وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إذَا وَقَبَ} {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ} . وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهَا (نَزَلَتْ بِسَبَبِ حَسَدِ الْيَهُودِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى سَحَرُوهُ: سَحَرَهُ لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيُّ فَالْحَاسِدُ الْمُبْغِضُ لِلنِّعْمَةِ عَلَى مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا ظَالِمٌ مُعْتَدٍ وَالْكَارِهُ لِتَفْضِيلِهِ الْمُحِبُّ لِمُمَاثَلَتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ إلَّا فِيمَا يُقَرِّبُهُ إلَى اللَّهِ فَإِذَا أَحَبَّ أَنْ يُعْطَى مِثْلَ مَا أُعْطِيَ مِمَّا يُقَرِّبُهُ إلَى اللَّهِ فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ وَإِعْرَاضُ قَلْبِهِ عَنْ هَذَا بِحَيْثُ لَا يَنْظُرُ إلَى حَالِ الْغَيْرِ أَفْضَلُ] [1] .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) - مجموع الفتاوى (10/ 118،119،120) .