فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 85

اُسْتُصْعِبَ، وَيُحَبَّبُ مِنْهَا مَا أَتْعَبَ وَإِنْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْقَائِلِ: مَنْ رَبُّهُ خَلَقَهُ كَيْفَ يُخَلِّي خَلْقَهُ، غَيْرَ أَنَّهُ إذَا عَانَى تَهْذِيبَ نَفْسِهِ تَظَاهَرَ بِالتَّخَلُّقِ دُونَ الْخُلُقِ، ثُمَّ بِالْعَادَةِ يَصِيرُ كَالْخُلُقِ. قَالَ أَبُو تَمَّامٍ الطَّائِيُّ:

فَلَمْ أَجِدْ الْأَخْلَاقَ إلَّا تَخَلُّقًا ... وَلَمْ أَجِدْ الْأَفْضَالَ إلَّا تَفَضُّلَا

وَمِنْهَا: الْعَقْلُ الَّذِي يَسْتَقْبِحُ بِهِ مِنْ نَتَائِجِ الْحَسَدِ مَا لَا يُرْضِيهِ، وَيَسْتَنْكِفُ مِنْ هُجْنَةِ مُسَاوِيهِ، فَيُذَلِّلُ نَفْسَهُ أَنَفَةً، وَيَقْهَرُهَا حَمِيَّةً، فَتُذْعِنُ لِرُشْدِهَا، وَتُجِيبُ إلَى صَلَاحِهَا. وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لِذِي النَّفْسِ الْأَبِيَّةِ، وَالْهِمَّةِ الْعَلِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ ذُو الْهِمَّةِ يَجِلُّ عَنْ دَنَاءَةِ الْحَسَدِ. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:

أَبِيٌّ لَهُ نَفْسَانِ نَفْسٌ زَكِيَّةُ ... وَنَفْسٌ إذَا مَا خَافَتْ الظُّلْمَ تُشْمِسُ

وَمِنْهَا: أَنْ يَسْتَدْفِعَ ضَرَرَهُ، وَيَتَوَقَّى أَثَرَهُ، وَيَعْلَمَ أَنَّ مَكَانَتَهُ فِي نَفْسِهِ أَبْلُغُ وَمِنْ الْحَسَدِ أَبْعَدُ، فَيَسْتَعْمِلُ الْحَزْمَ فِي دَفْعِ مَا كَدَّهُ وَأَكْمَدَهُ لِيَكُونَ أَطْيَبَ نَفْسًا وَأَهْنَأَ عَيْشًا. وَقَدْ قِيلَ: الْعَجَبُ لِغَفْلَةِ الْحُسَّادِ عَنْ سَلَامَةِ الْأَجْسَادِ. وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:

بَصِيرٌ بِأَعْقَابِ الْأُمُورِ كَأَنَّمَا ... يَرَى بِصَوَابِ الرَّأْيِ مَا هُوَ وَاقِعُ

وَمِنْهَا: مَا يَرَى مِنْ نُفُورِ النَّاسِ عَنْهُ وَبُعْدِهِمْ مِنْهُ فَيَخَافُهُمْ إمَّا عَلَى نَفْسِهِ مِنْ عَدَاوَةٍ، أَوْ عَلَى عِرْضِهِ مِنْ مَلَامَةٍ، فَيَتَأَلَّفُهُمْ بِمُعَالَجَةِ نَفْسِهِ وَيَرَاهُمْ

إنْ صَلَحُوا أَجْدَى نَفْعًا وَأَخْلَصُ وُدًّا. وَقَالَ ابْنُ الْعَمِيدِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:

دَاوِي جَوًى بِجَوًى وَلَيْسَ بِحَازِمٍ ... مَنْ يَسْتَكِفُّ النَّارَ بِالْحَلْفَاءِ

وَقَالَ الْمُؤَمَّلُ بْنُ أُمَيْلٍ:

لَا تَحْسَبُونِي غَنِيًّا عَنْ مَوَدَّتِكُمْ ... إنِّي إلَيْكُمْ وَإِنْ أَيَسَرْتُ مُفْتَقِرُ

وَمِنْهَا: أَنْ يُسَاعِدَ الْقَضَاءَ وَيَسْتَسْلِمَ لِلْمَقْدُورِ، وَلَا يَرَى أَنْ يُغَالِبَ قَضَاءَ اللَّهِ فَيَرْجِعُ مَغْلُوبًا، وَلَا أَنْ يُعَارِضَهُ فِي أَمْرِهِ فَيُرَدُّ مَحْرُومًا مَسْلُوبًا. وَقَدْ قَالَ أَزْدَشِيرُ بْنُ بَابَكَ: إذَا لَمْ يُسَاعِدْنَا الْقَضَاءُ سَاعَدْنَاهُ. وَقَالَ مَحْمُودٌ الْوَرَّاقُ:

قَدْرُ اللَّهِ كَائِنٌ ... حِينَ يَقْضِي وُرُودُهُ

قَدْ مَضَى فِيك عِلْمُهُ ... وَانْتَهَى مَا يُرِيدُهُ

فَأَرِدْ مَا يَكُونُ إنْ ... لَمْ يَكُنْ مَا تُرِيدُهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت