الصفحة 44 من 63

على استماع خطو العدو من بعيد، فتهيئ نفسها للدفاع أو الفرار، والرؤية التي تمنحها سعة التصرف إذا ما أدركت العدو، ومع هذه الأدوات نجد اللون يتداخل في هذه اللوحة الوصفية الممهدة لقص الحدث فيما بعد، فالبقرة ذات خدين أسودين، وعيناها سوداوان كأنما اكتحلت بحجر الإثمد الأسود، وهذا اللون يستخدم عادة في المواقف الدالة على الحزن والموت والشر والشؤم والرحيل [1] وهي الدلالات التي نجدها في اللوحة الثانية حيث بداية الحدث [2] :

طَبَاهَا ضَحَاءٌ أَوْ خَلاَءٌ فَخَالَفَتْ ... إِلَيْهِ السِّبَاعُ فِي كِنَاسٍ وَمَرْقَدِ

أَضَاعَتْ فَلَمْ تُغْفَرْ لَهَا خَلَوَاتُهَا ... فَلاَقَتْ بَيَانًا عِنْدَ آخِرِ مَعْهَدِ

دَمًا عِنْدَ شِلْوٍ تَحْجُلُ الطَّيْرُ حَوْلَهُ ... وَبَضْعَ لَحَامٍ فِي إِهَابٍ مُقَدَّد

فقد أغراها خلو المكان / المرعى ممن يزاحمها فيه بترك ولدها والخروج إلى المرعى في هذا الوقت حتى تعود إلى ولدها بالغذاء الذي يسد جوعته وإياها، ولم تدر ما الذي خبأه القدر، ولم تخمن ما الذي يمكن أن يعرض لولدها إذا هي تركته وخرجت إلى المرعى في هذا الوقت، إنها ما أن تركت ولدها، حتى أتته السباع في مستتره الذي يستتر فيه وموقده الذي ينام فيه، وهنا يتوقف سرد حدث السباع وما فعلته بولد البقرة، ليعود الشاعر إلى البقرة مرة أخرى في صورة من صور القطع والاستئناف أو التنقل بين المشاهد جيئة وذهابًا مع ترك ما بين المشاهد من أحداث بغية تسريع الحدث، إذ لم يقف الشاعر أمام الكيفية التي انقضت بها السباع على الفرقد، ولم يشر من قريب أو بعيد إلى أية مقاومة أو محاولة للهرب من البراثن المنشوبة في جلده، فكل ذلك من باب الجزئيات التي تنأى عنها لغة القص الشعري ولا تقف أمامها طويلًا؛ لأنها ربما صرفت الذهن عن التدبر والاعتبار [3] في أمر هذه الأم التي تركت وليدها وهو أضعف وأحوج ما يكون لها، وخرجت إلى المرعى والخلاء، ثم تعود إلى حيث تركت وليدها، فلم تجد إلا آثارًا توضح وقوع الكارثة: دماء عند بقية من جسد وليدها الذي لم يعد جسدًا، وإنما قطعة لحم وجلد مخرق ممزق، وهذه الطير تمشي حوله بصورة بطيئة تدل على أنها قد نالت حظها بعدما فرغت السباع من فريستها، وتركت للطير التابعة لها بعضًا من الفتات.

ماذا تفعل الذات الأم في مثل هذا الموقف؟! لا شك أن المشاعر الإنسانية تعجز عن وصف ما يمكن للأم المكلومة في وليدها أن تفعله وهي ترى أشلاء وليدها الذي خرجت لتأتي له بما يعينه على الحياة، ولم تكن تدري أنها إنما كانت تسلمه إلى القدر، ولكن هذا القدر لم يكن يرضى بفجعتها في ولدها وإنما هو يفجعها في ذاتها عينها عندما تتعرض حياتها في اللحظة ذاتها التي أدركت فقد الولد إلى الفقد عندما تطاردها كلاب الصائد المتربص بها الدوائر [4] :

وَتَنْفُضُ عَنْهَا غَيْبَ كُلِّ خَمِيلَةٍ ... وَتَخْشَى رُمَاةَ الْغَوْثِ مِنْ كُلِّ مَرْصَد

(1) 217 - د/ أحمد مختار عمر: اللغة واللون - سابق - ص 2.1.

(2) 218 - شعر زهير ص 182 - 183،طباها: دعاها، ضحاء: الرعي - [طويل]

(3) 219 - د/أحمد إسماعيل النعيمي: الأسطورة في الشعر العربي قبل الإسلام ص 3.8 - ط 1/ 1995 م - سينا للدراسات.

(4) 22.- شعر زهير ص 183 - 186،تنفض: تنظر، الوحشيّ: الجانب الأيمن، رازقيّ: ثوب أبيض، معضد: مخطط، أنفاقها: مخارجها وطرقاتها، وتيرة: تلبث وفترة تذبيبها: دفعها عن نفسها، الخذاريف: جمع خذروف وهو عود مشقوق يُشد في وسطه خيط يلعب به الصبية و له صوت، ويشبه به الحيوان في السرعة، خاظي: متراكب اللحم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت