الصفحة 45 من 63

فَجَالَتْ عَلَى وَحْشِيِّهَا وَكَأَنَّهَا ... مُسَرْبَلَةٌ فِي رَازِقِيٍّ مُعَضَّدِ

وَلَمْ تَدْرِ وَشْكَ الْبَيْنِ حَتَّى رَأَتْهُمُ ... وَقَدْ قَعَدُوا أَنْفَقَهَا كُلَّ مَقْعَدِ

وَثَارُوا بِهَا مِنْ جَانِبَيْهَا كِلَيْهِمَا ... وَجَالَتْ وَإِنْ يُجَشِّمْنَهَا الشَّدَّ تَجْهَدِ

تَبُذُّ الأُلَى يَأْتِينَهَا مِنْ وِرَائِهَا ... وَإِنْ تَتَقَدَّمْهَا السَّوَابِقُ تَصْطَدِ

فَأَنْقَذَهَا مِنْ غَمْرَةِ الْمَوْتِ أَنَّهَا ... رَأَتْ أَنَّهَا إِنْ تَنْظُرِ النَّبْلَ تُقْصَدِ

نَجَاءٌ مُجِدٌّ لَيْسَ فِيهِ وَتِيرَةٌ ... وَتَذْبِيبُهَا عَنْهَا بِأَسْحَمَ مِذْوَدِ

وَجَدَّتْ فَأَلْقَتْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَهَا ... غُبَارًا كَمَا فَارَتْ دَوَاخِنُ غَرْقَدِ

بِمُلْتَئِمَاتٍ كَالْخَذَارِيفِ قُوبِلَتْ ... إِلَى جَوْشَنٍ خَاظِي الطَّرِيقَةِ مُسْنَد

لم تكد البقرة تفكر في فجعتها بوليدها حتى تحس بأذنين حادتيْ السمع برماة بني الغوث المشهورين بدقة الرمي ومهارة الصيد، وهم يشرعون رماحهم لصيدها، ويطلقون كلابهم وراءها، ولم تفلح محاولتها في تجنب الطريق التي يأتونها منها، إذ سرعان ما لحقت بها كلابهم التي أخذت تطاردها، ولم تجد البقرة الخائفة على حياتها بدًّا من مواجهتهم، وهي تجنح بالكلاب بعيدًا عن الرماة وتسرع الخطى فتثير الغبار، ليحول بينها وبين الكلاب التي تسبقها لتعوقها عن التقدم، فتطعن من تلحقه بقرنيها، فترديه صريعًا حتى نجحت في النجاة بقوائمها السريعة.

وهنا نلحظ انتصار زهير للحيوان كما انتصر أوس للثور بنجاته من سهام الصياد، ولكن زهيرًا تفوق في هذا الأسلوب القصصي المفعم بمشاعر إنسانية صادقة جياشة مبعثها صورة فقد الأم لوليدها، وإشرافها على فقدان حياتها هي، إلى جانب ميل زهير في مثل هذا التصوير القصصي إلى أن تكون قصة هذه البقرة هي المعادل الموضوعي"لنفسه يجسد عن طريقها هذه المواجهة الدائمة بينه وبين ظروف الحياة من حوله" [1] ولم يمنع ذلك التجسيد أن تكون البقرة معادلًا موضوعيًّا للناقة، صحيح أنه معادل استعان بأداة التشبيه التي صدر بها اللوحة الأولى للصورة، إلا أن ما تحمله من توظيف رمزي أعان على ثراء الدلالة المطروحة من القصة التي يبدو أنها قد كانت من الشيوع والتكرار في الشعر الجاهلي مما يستدعي فكرة الثقافة الجمعية أو العقل الجمعي المختزن لمثل هذه الصور بسبب المرجعية الطقسية الميثيودينية [2] التي تشير إلى أن هذه الصور قد"جاءت تقليدًا لنموذج أعلى تناقله اللاحق عن السابق" [3] .

بيد أن هذه الثقافة الجمعية المتكئة على الطقوس الميثيودينية المتوارثة لا تعني انتفاء خصوصية الدلالة التي يريدها هذا الشاعر أو ذاك، فقد رأينا تلك الخصوصية في صورة الناقة والثور عند أوس عندما جعل الثور معادلًا للناقة، وجعل من الناقة معادلا لنفسه المأزومة بارتحال المرأة وركبها، وكذلك فعل زهير

(1) 221 - د/ إبراهيم عبد الرحمن: الشعر الجاهلي - سابق - ص 321.

(2) 222 - ربط الدكتور علي البطل بين البقرة والشمس، حيث رأى"أن البقرة قرينة للشمس ورمز لها"انظر: الصورة الفنية في الشعر العربي ص 1.6

(3) 223 - د/ مصطفى الشورى: الشعر الجاهلي تفسير أسطوري ص 129.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت