بيد أن هذا الإجماع أو شبهه ومن يقولون به ربما بعدو عن جادة الصواب؛ لأن ثمة تعريفات واضحة ومحددة للصورة الشعرية هي من الكثرة بمكان بحيث يصعب حصرها، وهي تعريفات جمعت بين التراث والمعاصرة في النقد الأدبي عند العرب، أو عند الغرب، مما يعني أن التراث النقدي لم يغفل عن تعريف الصورة، كما لم يغفل عنها النقد الحديث عند العرب وغيرهم، بل إن الدراسات التي ذهبت إلى القول بصعوبة التعريف الجامع المانع لمصطلح الصورة قد عمدت إلى سرد تعريفات القدامى والمحدثين، بل وتبنى البعض منها لنفسه تعريفًا لينجز في ضوئه ما يقوم به من دراسة أدبية أو نقدية مما يعني أن الوصول إلى تعريف محدد للصورة الشعرية ليس بالأمر العصي أو الصعب الذي يقف حائلًا دون اتخاذ موقف محدد يمكن في ضوئه إنجاز أي بحث أدبي يتخذ من الشعر موضوعًا أيًّا كان هذا الشعر قديمًا أو حديثًا.
ولعل القول بصعوبة الوصول إلى تعريف جامعٍ مانعٍ للصورة الشعرية أمر له ما يعضده من ناحية أخرى، وهي ناحية بعض الدارسين الذين ظنوا"أن الصورة الفنية مخلوق غريب بالنسبة إلى العرب، وإن شعرهم لم يحفل بها" [1] كما اعتراف بعضهم بأن"مصطلح الصورة من المصطلحات النقدية الوافدة التي ليس لها جذور في النقد العربي" [2] فضلًا عن غربته على الفلسفة الإسلامية، وهي اتهامات تنافي الحقائق الثابتة التي جاء بها الشعر القديم، كما جاءت بها أقلام النقاد العرب القدامى، فإن من يقرأ الشعر الجاهلي يجد فيه احتفالًا واضحًا بفن التصوير مما يؤكد غزارة الملكة التصويرية عندهم وقوة ملكة الخيال وخصبها الذي تجلى في فن الوصف خاصة"حيث يرسم الشاعر مناظر ومشاهد رائعة مكتملة الجوانب، فهو يلم بالصورة إلمامًا تامًّا، ثم يدقق في أجزائها، ويحصر أطرافها ويستقصي جوانبها وهذا - لا شك - دليل التمكن في الفن والدقة في التعبير، وخصب الخيال" [3] .
ولم يكن أمر النقد العربي القديم ببعيد عن الإبداع الشعري في الاحتفال بالصورة، وهناك أقدم نص نقي للجاحظ أشار فيه إلى حقيقة الفن الشعري عندما قال قولته الذائعة"إنما الشعر صناعة وضرب من الصبغ وجنس من التصوير" [4] وهو نص دال بما لا يدع مجالًا على أن المقصود من التصوير هنا الصورة الشعرية التي ربطها غير واحد من النقاد القدامى بالألوان البلاغية من تشبيه واستعارة وكناية ومجاز كالذي رأيناه عند ابن طباطبا العلوي وهو يتحدث عن أحسن التشبيهات في سياق حديثه عن طريقة العرب في التشبيه، إذ قال:"فأحسن التشبيهات إذا ما عكس لم ينتقض، بل يكون كل مشبَّهٍ بصاحبه مثل صاحبه، ويكون صاحبه مثلَه مشبَّهًا به صورة ومعنى، وربما أشبه الشيءُ الشيءَ صورة وخالفه معنًى، وربما أشبهه معنًى وخالفه صورة وربما قاربه وداناه أو شامّه وأشبهه مجازًا لا حقيقة" [5] .
(1) 7 - د/ عبد الإله الصائغ: الخطاب الإبداعي الجاهلي والصورة الفنية ص 13.
(2) 8 - د/ نصرت عبد الرحمن: الصورة الفنية في الشعر الجاهلي في ضوء النقد الحديث ص 8
(3) 9 - د/ يحيى الجبوري: الشعر الجاهلي: خصائصه وفنونه - سابق - ص 213.
(4) 1.- الجاحظ: الحيوان - سابق - 3/ 131.
(5) 11 - ابن طباطبا: عيار الشعر - سابق - ص 49.