الصفحة 6 من 63

واستخدم الآمدي في موازنته مفردات تنتمي إلى حقل الصورة أو التصوير الشعري مثل: وصف، أقام، شبّه، استعار، مثّل، صوّر من ذلك تعليقه على بيت أبي تمام:

وَتَقْفُو لِيَ الْجَدْوَى بِجَدْوَى وَإِنَّمَا ... يَرُوقُكَ بَيْتُ الشِّعْرِ حِينَ يُصَرَّعُ

بقوله:"فلفظ حسن حلو، ولكنه مثّل شيئًا كان غيره بالتمثيل أليق، وذلك لما قال: وتقفو لي الجدوى، كان سبيله أن يقول: وإنما يبل الغليلَ العللُ بعد النهل، أو ما كان أشبه هذا وقاربه؛ لأن الجدوى هو نائل المرأة، وليست من حظوظ السمع فيمثل بها بيت الشعر المصرع الذي إنما يروق السمع فقط" [1] .

والحديث عن السمع والبصر يستدعي الحديث عن الخيال وعلاقته بالحواس، وارتباط الصورة الشعرية بالدلالة"على كل ما له صلة بالتعبير الحسي، وتطلق أحيانًا مرادفة للاستعمال الاستعاري للكلمات" [2] فارتباط الخيال بالحواس أمر طبيعي؛ لأن الخيال بما هو"وضع الأشياء في علاقات جديدة، وهو سمة بارزة من سمات الأسلوب الأدبي؛ لأنه يصور العاطفة، أو ينقلها إلى السامع، أو القارئ" [3] فقد"كان من الطبيعي أن يوجه الشاعر ليستمد معانيه من التجربة الحسية بحيث ترتسم صور المحسوسات في خياله، ثم يستطيع خياله أن يقيم ضروب العلاقات بينها، غير أنه في مقدور الشاعر أن يؤيد التجربة المستمدة من عالم الطبيعة بقوة التخيل والملاحظة والتجربة المستمدة عن طريق الثقافة" [4] .

وقد أدرك النقاد العرب القدامى دور الخيال في الشعر والتصوير، وأولوه عنايتهم عندما قرنوه بالإلهام وربطوا بينه وبين الجن والشياطين وهو ارتباط يدل عندهم على قوة الخيال وجمال ما ينتج عنه من الصور الشعرية المتكئة عليه"كالمجاز والتشبيه والاستعارة" [5] فقد ربط السكاكي بين التخييل وبعض أنواع الاستعارة وهي الاستعارة التخييلية التي"يكون المشبه المتروك شيئًا وهميًّا محضًا لا تحقق له إلا في مجرد الوهم" [6] واقتفي العلوي آثار السكاكي في ربط الاستعارة بالخيال إذ جعل العلوي الاستعارة الخيالية الوهمية واحدة من أنواع الاستعارات، وعرفها بقوله:"أن تستعير لفظًا دالاًّ على حقيقة خيالية تقدرها في الوهم ثم تردفها بذكر المستعار له إيضاحًا لها وتعريفًا لحالها" [7] .

وأمر الربط بين الخيال والصورة البلاغية نجده عند السلجماسي في المنزع البديع عندما جعل التخييل الجنس الثاني من علم البيان، وجعل له أربعة أنواع هي: التشبيه والاستعارة والتمثيل والمجاز وقد عمد

(1) 12 - الآمدي: الموازنة بين أبي تمام والبحتري - سابق - 2/ 85، شامّه: قاربه وداناه

(2) 13 - د/ مصطفى ناصف: الصورة الأدبية ص 3 - ط 2/ 1981 م - دار الأندلس

(3) 14 - د/ عبد الله التطاوي: الصورة الفنية في شعر مسلم بن الوليد - سابق - ص 8.

(4) 15 - د/ إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبي عند العرب - سابق - ص 561 - 562.

(5) 16 - د/ إحسان عباس: فن الشعر ص 144 - ط 2/ 1959 م - دار الثقافة - بيروت.

(6) 17 - السكاكي: مفتاح العلوم - سابق - ص 373.

(7) 18 - العلوي: الطراز - سابق - 1/ 232.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت