ومختصو علم الاجتماع الذين أخذوا علمهم عن أساتذتهم في فرنسا أو أوروبا وأمريكا: من أمثال سارتر وغيره يقولون: إن الشرك في الإنسان أصيل، لأن الإنسان كان بدائيًا في حياته وفي طعامه وشرابه ولبسه حتى في معتقداته، ثم ما زال يتطور حتى بلغ التوحيد وهذا من أبطل الباطل!.
فمن أول جنس الإنسان؟ أليس آدم عليه السلام؟ فآدم كان موحدًا، وكذا بنوه على عشرة قرون حتى جاء الشرك، إذًا فالشرك طارئ على الإسلام والتوحيد ودخيل، والأصل في بني آدم أنهم كانوا أهل توحيد وإسلام.
والنبي صلى الله عليه وسلم كسر صور الصالحين - صورهم المنحوتة عليهم - حيث كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، صورت على رجال صالحين منها من الأصنام التي كان العرب يعبدونها، اللات وهو رجل كان في الطائف وكان يلت السويق للحاج يطعمهم إياه، والسويق نوع من الطعام فلما مات وكان صالحًا عكفوا على قبره وأوحى إليهم الشيطان أن صوروا له صورة، فصوروا صورة هي رمز عن هذا الصنم فأصبحوا يتقربون إليه، وكذا الحال في مناة والعزة وهبل [1] ، والنبي صلى الله عليه وسلم كسر الأصنام وأبطلها لأن الإبطال لها إبطال لمادة الشرك.
لقد وجد من المسلمين من عاب على أتباع الرسول ممن كسر الأصنام وهدم الأضرحة وهذا في الحقيقة عيب على النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أعابهم دل على أنه ما حقق التوحيد وما اعتنى بهذه الدعوة - التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم - فالنبي صلى الله عليه وسلم كسر الأصنام لأنها رموز لهذا الشرك وتكسيره إياها من حسم مادة الشرك، فهم ما عبدوا الحجر لذاته ولكن عبدوا ما يرمز إليه الحجر، تطور هذا ببعضهم مع طول العهد حتى عبدوا الأحجار واعتقدوا فيها النفع والضر.
ولهذا بلغ العرب في جاهليتهم الحضيض الداني في الوثنية، ومن صور وثنياتهم: أعراب بدور رُحل يسافر الأعرابي ثم يترك، فيتخذ أربعة أحجار ثلاثة ينصبها لقدره يطبخ عليها عشاءه، والرابع ينصبه يتقرب إليه، وهب أنه في مكان ليس فيه حجارة؟ هل كان يحمل معه الحجارة؟ لا يحملها معه إلا إذا كانت صغيرة، فكان أحدهم يجمع ترابًا ويحلب عليه شاة ثم يعبده ولهذا النفوذ الكبير في شمال الجزيرة كان يقطن فيه أقوام من العرب وكان يُسمى عندهم برمل «عالج» رجل منهم، وهو أبو عثمان النهدي عبد الرحمن بن مل التابعي المشهور [2] ، أبو عثمان هذا عمر حتى بلغ مائة ثمانين سنة، تسعون سنة عاشها في الجاهلية ومثلها في الإسلام، يصف حالهم لما جاءهم داعي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو عثمان هذا مخضرم أدرك الجاهلية وأدرك الإسلام، لكنه ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم، وبالتالي لم يكن صحابيًا، قال: جاءنا داعي النبي صلى الله عليه وسلم وكنا في جاهلية جهلاء كان يعمد أحدنا إلى لقحته - إلى
(1) ... انظر تفسي ابن كثير لآية النجم: {أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى} 4/ 126، وتاريخ الأمم والملوك، لابن جرير 2/ 367، وكتاب الأصنام للكلبي 7.
(2) ... انظر: السير 9/ 354، وتهذيب الكمال 2/ 146، وتهذيبه 10/ 121، وتقريبه (4043) .