قال رحمه الله تعالى: (وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم وهو الذي كسر صور هؤلاء الصالحين، أرسله إلى قوم يتعبدون ويحجون ويتصدقون ويذكرون الله كثيرًا) .
هذه مقدمة في حال العرب مع جاهليتهم الجهلاء فإنهم لم يكونوا خالين من مظاهر العبادة، بل كانوا يصلون ويحجون ويتصدقون ويعظمون الله ويعظمون حرمه ويتعبدون لله جل وعلا، فما كانوا خلوا عن العبادة لكنهم كانوا على انحراف خطير في أصل العبادة، وذلك بصرف نوع من العبادة أو أكثر، كأن يذبح أحيانًا لله لغير الله وسائر ذبحه لله، أو يدعو ويستغيث أحيانًا بغير الله وسائر حاله دعاء الله والاستعانة به ... ! ولهذا لو قلت لك هل كان العرب ليست لهم عبادة؟ الجواب: لا، بل كانوا يعبدون الله جل وعلا، ويُعظمونه ويحجون بيته ويتصدقون ويُصلون، ويُعظمون حرماته؟.
وهذه مقدمة افطن لها لأنه سيأتيك مشرك قبوري وعابد مقام وضريح يُقدم قرابين لهذا الضريح أو يطوف به أو يدعوه، ويقول لا إله إلا الله، فما الفرق بينه وبين العربي في جاهليته؟ وما الفرق بينه وبين أهل مكة في الجاهلية؟ الجواب: لا فرق؛ لأن أهل مكة يعظمون الله جل وعلا ويعظمون الحرم حتى إن الرجل من العرب كان إذا وجد في الحرم قاتل أبيه، وقالت أخيه لا يُهيجه؛ تعظيمًا لحرم الله جل وعلا، بل إذا وجده في الأشهر الحرم في أي مكان لا يُهيجه ولا يصيب منه تعظيمًا لهذا الزمان من تعظيمهم للحرمات، وإذا أرادوا قتل أحد خرجوا به خارج الحرم، بل كانوا إذا جاءهم مظلوم انتصروا له حتى ولو من أنفسهم [1] ، وهذا مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه حذرهم من الشرك. وكانوا يحجون وكانوا لا يطوفون بالبيت بثياب عصوا الله فيها، ولهذا إن كان لأحدهم أحد أو صديق من أهل مكة يُعطيه ثياب طاف بها وإلا طاف عُريانًا، فإن أهل مكة يُقال لهم «الحمس» وهم يطوفون بثيابهم وإنما الذي يتجرد من ثيابه هو الأفقي إن لم يجد من يعيره ثيابه من الحمس! وهذا من الازدواج والتناقض، وذلك أنهم في هذه الأمور يُشددون في المعاصي وفي التوحيد يتهاونون؟! حتى إن المرأة قد تطوف عريانة وتبقى سيورًا على عورتها إذا لم تكسها أختها من أهل الحرم ولهذا قالت المرأة في الجاهلية:
اليوم يبدو بعضه أو كله
وما بدا منه فلا أحله
فهي طافت بالبيت عُريانة، ولهذا امتنع النبي صلى الله عليه وسلم أن يحج على الفور لما فرض الله عليه الحج في العام التاسع لوجود مظهر الشرك ومظهر الفسوق ولهذا أناب عنه من يحج بالناس أفضل الصحابة أبا بكر الصديق رضي الله عنه ثم أردفه بعلي وأبي هريرة رضي الله عنهما يصيحان بالناس:
(1) ... كما في حلف الفضول الذي تصدوه في الجاهلية قبل البعثة، ودعا إليه عبد الله بن زيد بن جدعان من بني تيم من قريش، وحضره النبي صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه بنحو خمس سنين.