وهذا في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، تقول رضي الله عنها: «تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم [1] .
قال رحمه الله: (مثال ذلك: إذا قال لك بعض المشركين: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] . أو أن الشفاعة حق، وأن الأنبياء لهم جاه عند الله، أو ذكر كلامًا للنبي صلى الله عليه وسلم يستدل به على شيء من باطله وأنت لا تفهم معنى الكلام الذي ذكره فجوابه بقولك: أن الله ذكر في كتابه أن الذين في قلوبهم زيغ يتركون المحكم ويتبعون المتشابه، وما ذكرته لك من أن الله تعالى ذكر أن المشركين يقرون بالربوبية وأن كفرهم بتعلقهم على الملائكة والأنبياء والأولياء مع قولهم: {هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] هذا أمر محكم بين، لا يقدر أحد أن يغير معناه، وما ذكرت لي ايها المشرك في القرآن أو كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا أعرف معناه ولكن أقطع أن كلام الله لا يتناقض، وأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يُخالف كلام الله عز وجل) .
يعني: كيف أترك آيات التوحيد العظيمة الكثيرة في القرآن الكريم وآخذ بشبهتك التي أدليت بها علي. فطريقة أهل الأهواء: يتركون المحكمات كلها ويبحث عن دليل واحد قد يكون ضعيفًا، وقد يكون محتمل الدلالة يستدل به على باطله، وليس هذا في التوحيد فقط، بل وفي مسائل الإيمان تجدهم فيه يبحثون عن حديث فيه أن ترك العمل لا يؤثر في الإيمان!! فكيف نصنع بالنصوص الأخرى الكثيرة التي حتمت العمل، والتي بلغت مبلغ التواتر ما نصنع بها؟! أأتركها لأجل حديث واحد محتمل الدلالة أو ضعيف الدلالة؟ أو ضعيف السند، هذه هي طريقة أهل الأهواء! فإن رضخت لهم دل على نقص علمك ونقص فقهك وعدم رسوخك فيما اعتقدت، بل ويدل ذلك على نقص عقلك وإدراكك. وإن رددت كلامه إلى هذا الأصل سلمت بنفسك وأسلمت لله رب العالمين.
إذًا عندك قواطع النصوص لا يناقض بعضها بعضًا ولا يعارض بعضها بعضًا ولا تتخلف، أما ما جئتني به فلا أفهمه ولا أدرك ما تريد من الشبهة فما أترك ما أنا عليه من أمر قاطع لأمر مشتبهٍ فيه، ومعلوم أن الشك يرجع إلى اليقين، فالشك لا يزول بشك مثله وإنما يزول باليقين، فهذه قاعدة عظيمة من قواعد
(1) ... رواه البخاري في صحيحه (5/ 165، 166) ، كتاب التفسير (سورة آل عمران) ، ورواه مسلم في صحيحه 4/ 2053 كتاب العلم، والنهي عن الاختلاف في القرآن حديث رقم (2665) من حديث عائشة رضي الله عنها.