أو في نوع واحد من أنواع العبادة كلها، في الذبح كله، فلو ذبح ذبيحة واحدة ولو عصفورًا أو نملة، أو دعا مرةً واحدة غير الله كان بذلك مشركًا إذا رضي بذلك!! والشرك عام.
وغلاة الصوفية: أهل وحدة الوجود قالوا: إن المشركين كفروا لما خصصوا الشرك باللات أو بالعزى أو بالأصنام أو بفرعون كفروا، ولو جعلوا العبادة عموم الأشياء لكانوا مؤمنين، كما أساطينهم: قاله ابن سبعين وابن الفارض وابن عربي الصوفي، حتى جعلوا القرآن كتاب شرك ولم يجعلوه كتاب توحيد، وهذه مرحلة دنيا دنية من مراحل الغواية ودركة عظيمة من دركات الوثنية في التوحيد ما بلغها إلا عُتاة هؤلاء، وما تأتي أن يبلغوها إلا لما درجوا على تعظيم السادات والأولياء والأضرحة، واستحسنوا ذلك واستمرؤوه، ثم تفلسفوا وتذوقوا بالكفر البواح.
والآن يبين الشيخ الأصل في هذه المسألة الأصل فيها، والسر فيها وهذا خلاصة ما سبق.
قال رحمه الله تعالى: (وسر المسألة أنه إذا قال: أنا لا أشرك بالله فقل له: وما الشرك بالله، فسره لي؟ فإن قال: هو عبادة الأصنام فقل: وما معنى عبادة الأصنام فسرها لي؟ فإن فسرها بما بينه القرآن فهو المطلوب، وإن لم يعرف فكيف يدعي شيئًا وهو لا يعرفه؟) .
فالمقصود وإن فسر ذلك بغير معناه، بينت له الآيات الواضحات في معنى الشرك بالله وعبادة الأوثان، وأنه الذي يفعلونه في هذا الزمان بعينه، وأن عبادة الله وحده لا شريك له هي التي ينكرون علينا ويصيحون فيها كما صاح إخوانهم حيث قالوا: {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} .
قوله رحمه الله: (وسر المسألة) يعني حقيقتها ولبها وكنهها والشيء إذا عرفت حقيقته سهل بعد ذلك معرفة أفراده وأنواعه، فكيف ينفي عن نفسه شيء وهو لا يعرف هذا الشيء المنفي؟ هذا في الحقيقة تناقض! أو أنه نفى عن نفسه شيئًا سماه شركًا، وهو في الحقيقة ليس بالشرك أو أقر لنفسه بشيء سماه توحيدًا وهو في الحقيقة شرك وليس توحيدًا، هذه الدرجات وهذه المقامات في البحث والمناظرة وكشف الشبهة معهم! بمثل هذا ينتقل من الأمر الواضح إلى ما هو أقل وضوحًا وهكذا! فيرده إلى الواضح حتى يقر به، فعندئذ ليس له إلا أمرين:
إما يوافق.
وإما يعاند ويكابر فيجحد!
تنبيه:
ولهذا أهل التوحيد، وأهل الإيمان، وأهل السنة لا يملون ولا يكلون من تكرار الكلام في التوحيد، وتثبيته، والدعوة إليه، والتواصي عليه، ولهذا يعيبهم بعض من لا علم له، أولا فقه له، أو غُمس في بدعة وتحزِّب وهوى، يقول: أنتم ما عندكم إلا التوحيد ما عندكم إلا إفراد الله بالعبادة لماذا لا تتكلمون عن أخلاق الناس وأحوالهم وما إلى ذلك، فالجواب أن هذا الذي يهون من شأن التوحيد بهذه الصفة جاهل