الصفحة 49 من 66

بحقيقة التوحيد بل لمي ذق قلبه طعم التوحيد، لأنه لو صلح توحيد الناس صلحت أمورهم، فما الأخلاق والمعاملات وتحريم الربا وترك المحرمات، بل وفعل الواجبات وما هذه كلها إلا مرتكزة على التوحيد، فإنه إذا وحّد الله صدقًا، وأخلص له العبادة صدقًا، أطاع أمره واجتنب نهيه، وحاذر معصيته سارع إلى طاعته، فالكلام في التوحيد لا يملُّه من كان موحدًا مؤمنًا صادقًا، لا يمله أبدًا، بل إن نفسه تشتاق إليه ولهذا كانت عناية المشايخ والعلماء بهذا التوحيد عنايةً ظاهرةً، يعيدون فيه ويبدؤون ويكررون دراسة وإسماع كتاب التوحيد حفظًا وشرحًا وفهمًا ودعوة وتطبيقًا، لقد أدركنا المشايخ غذا انتهينا من كتاب التوحيد كرروه مرة ثانية لأنه لا يُمل منه، وهو ستة وستين بابًا مما نعالجه يوميًا، بل ربما نقع فيه ونحن لا نبالي، فتكرارها ترسيخ لهذا الأصل العظيم وهذه هي القاعدة، فإن البناء إذا كان على قاعدة عظيمة فإنه يبقى ويسلم من عوارض الدهر، أما إذا كان البناء على قاعدة هشة فمآلهُ إلى الهوي والسقوط، وكتاب التوحيد لأنه فصل هذه المسائل في ستة وستين بابًا كان العلماء يكرِّرونه، ويعيدونه على طلابهم ويطالبونهم بحفظ ألفاظه ويتفقهون في معانيه، وهو ستة وستون بابًا اشتملت على تحقيق أصل التوحيد لله جل وعلا، توحيد العبادة وما اشتملت عليه من مسائل التحذير من الشرك الأصغر والشرك الأكبر في العبادة والشرك الأكبر في الربوبية، وأيضًا في تحذير تعطيل الأسماء والصفات. فتدرك عندئذ عظيم الحاجة إليه.

قال رحمه الله تعالى: (فإذا عرفت أن هذا الذي يسميه المشركون في زماننا الاعتقاد هو الشرك الذي نزل فيه القرآن وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين: ... )

ولا يعني هذا - عند من لا يظن بالشيخ خيرًا، أو عند من ساء قصده - أن الشيخ يهون من شرك الزمان الأول، بل شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بمظهرين أشار إليهما الشيخ ومرَّ التنبيه عليهما.

مع عظم وشناعة الشرك عند الأولين والآخرين!!.

قال رحمه الله تعالى: أحدهما أن الأولين لا يشركون ولا يدعون الملائكة والأولياء والأوثان مع الله إلا في الرخاء وأما في الشدة فيخلصون لله الدين كما قال تعالى: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67] وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 40] وقال تعالى: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ} [الزمر: 8] وقوله: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [لقمان: 32] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت