وأظهروا التوحيد لكن لما أتوا بالناقض ما عذرهم قولهم وإتيانهم بالناقض على أن يُكفروا، وأن يقال أنهم كفروا، وكفروا بعد إسلامهم، لقوله تعالى عنهم في آية براءة: {قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} إذًا كان لهم إيمان ثم كفروا بهذه المقالة التي قالوها في النبي صلى الله عليه وسلم وفي أصحابه رضي الله عنهم.
قال رحمه الله تعالى: (فتأمل هذه الشبهة وهي قولهم: تكفرون من المسلمين أناسًا يشهدون أن لا إله إلا الله، ويصلون ويصومون. ثم تأمل جوابها، فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق. ومن الدليل على ذلك أيضًا: ما حكى الله عن بني إسرائيل مع إسلامهم وعلمهم وصلاحهم، أنهم قالوا لموسى: {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [الأعراف: 138] وقول أناس من الصحابة:(اجعل لنا ذات أنواط) [1] فحلف النبي صلى الله عليه وسلم، أن هذا نظير قول بني إسرائيل {اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} .
9 -هذا الشبهة التاسعة:
ومضمونها، وأنتم وهابية تُكفرون المسلمين الذين يصلون، تكفرون أهل لا إله إلا الله، فكيف تكفرون من يقول لا إله إلا الله؟ هذه الشبهة من أعظم شبههم.
والرد عليها: نقوله لهم: مع ما سبق بيانه وإيراده، أننا ما كفرنا هؤلاء إلا لما أتوا بالناقض، ولا نستسيغ بل لا نجيز أن نُكفر مسلمًا، حتى لو وقع في الكفر جاهلًا فلا نُكفره بعينه، فإذا وقع مسلم بالكفر وهو جاهل أو يظن أن هذا ليس بكفر، فنقول فعله أكبر لكن هو بعينه لا يكفر لأنه معذور بجهله إلا أن يقع فيه مختارًا عالمًا فهذا يكفر، ولهذا تكفير المعين له شروط وله موانع إذا اجتمعت كُفَّر بعينه وإلا توقفنا في تكفيره، لكن يحكم على فعله بأنه كفر أكبر، ولا يلزم أن يكون هو في نفسه كافرًا كفرًا أكبر مخرجًا من الملة.
وهذه الشروط والموانع إجمالًا:
1.العلم لمنافي للجهل.
2.التكليف المنافي لعدمه من جنون وصغر ونحوهما.
3.الاختيار المنافي للإكراه هو سواء بالقول أو الفعل دون القلب فعلا إكراه فيه.
4.القصد المنافي للخطأ والحق الله به التأويل.
قال رحمه الله تعالى: (ولكن للمشركين شبهة يُدلون بها عند هذه القصة وهي أنهم يقولون: أن بني إسرائيل لم يكفروا بذلك، وكذلك الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل لنا ذات أنواط. لم يكفروا) .
(1) ... أخرجه الترمذي في سننه كتاب «الفتن» باب ما جاء لتركبن سنن من كان قبلكم حديث رقم (2181) ورواه الإمام أحمد في المسند حديث رقم (21947 - 21950 - 21952) .