المقصود: هل يستدل بهذا أحد على أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعلى رضي الله عنه، بأنهم قتلوا من قال لا إله إلا الله؟ هل يصح استدلالهم بحديث أسامة؟ الجواب: لا يصح، لكن قتلوهم لما قام فيهم من الناقض من الكفر من الشرك، قوتلوا بذلك، ولم يُقبل منهم قول: لا إله إلا الله.
وهؤلاء اليهود يعرفون لا إله إلا الله، بل اعترض حبرٌ منهم على الصحابة، فقال: إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشاء محمد تقولون والكعبة، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا: ما شاء الله وما شاء محمد، قال: قولوا: «ما شاء الله وحده» وقولوا: «ورب الكعبة» [1] دلَّك كله على أنهم يعرفون التوحيد، ومع ذلك قاتلهم لما قام فيهم من النواقض الأخرى، وكذلك المرتدون، وكذلك من قاتلهم علي رضي الله عنه، وكذلك من يأتي فيه ناقض آخر من إنكار البعث، أو جحد ما جاء به الرسول، أو جحد أركان الإسلام، أو غيرها من قواطع الدين والمعلوم من الدين بالضرورة، فإنهم يقاتلون ويُكفرون من ولي أمر المسلمين أو من له الصلاحية من القضاة والأمراء ونحوهم فقط!.
قال رحمه الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا} [النساء: 94] . أي: فتثبتوا. فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} . ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى).
وهذه جاءت في الصحيحين، أن غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق رجلُ من المشركين فاتبعه أسامة ورجل من الأنصار رضي الله عنهما فلما رأى بارقة السيف على رأسه قال: أشهد أن لا إله إلا الله فكف الأنصاري، لكن أسامة وكان شابًا يافعًا لأنه مات النبي صلى الله عليه وسلم وعمره ثمانية عشرة سنة، فضربه أسامة فبلغ الخبر النبي عليه الصلاة والسلام فغضب على أسامة وأنكر عليه قال: «أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله» ، قال: يا رسول الله ما قالها إلا خوفًا من القتل، قال: «هلا شققت عن قلبه، كيف بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة» ؟! [2] ثم عذر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة رضي الله عنه وودى المقتول، أي: دفع ديته إلى أهله ولم يقم صلى الله عليه وسلم على أسامة الحدَّ؛ لأنه قتله متأولًا، وودى المقتول دفع ديته، دلالة على أن هذا الأمر والحكم بإزهاق الناس لا يُتسرع إليه ولا يُبادر إليه بل يكون على وضوح كوضوح هذه البيضاء التي عرى رؤوسكم. ولا يدل الحديث والآية على أنه لا يُكفر أبدًا من قال: لا إله إلا الله أبدًا.
قال رحمه الله تعالى: (وكذلك الحديث الآخر وأماله معناه ما ذكرناه أن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك، والدليل على هذا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله» .
(1) ... أخرجه الإمام أحمد (6/ 371، 372) ، والنسائي في الإيمان، باب الحلف بالكعبة، والحاكم (4، 297) ، وصححه ووافقه الذهبي.
(2) ... تقدم تخريجه.