عندما ضمنوا عَلِمَ معنى عَرَف هل سألوا أنفسهم، ما أثر هذا التضمين على الدلالة الحقيقية والمقصودة في اللفظ القرآني؟ فلا أصحاب كتب الوجوه ولا النحاة كان همهم أن يسألوا أنفسهم مثل هذه الأسئلة، بل كان همهم جميعًا اختلاق الوجوه، أو حل إشكالات مختلقة، ولو كان على حساب الحقيقة.
وتبيَّن كما رأيت أنَّ النحاة عمدوا إلى تحريف دلالة أفعال ظنَّ وأخواتها من أجل أن لا يكسروا قاعدة نحوية هي من اختلاقهم، وهذا التحريف سيشمل القرآن الكريم؛ لورود هذه الأفعال فيه في مواضع كثيرة، فقد ضمنوا العلم معنى المعرفة، مع أنَّ المعرفة ضد الإنكار، والعلم نقيض الجهل [1] قال الراغب: (( المعرفة والعرفان: إدراك الشيء بتفكُّر وتدبُّر لأثره، وهو أخص من العلم، ويضادُّه الإتكار، ويقال: فلان يعرف اللهَ، ولا يقال: يعلم اللهَ، متعديًا إلى مفعول واحد؛ لمَّا كان معرفة البشر لله هي بتدبُّر آياته دون إدراك ذاته، ويقال: اللهُ يعلم كذا، ولا يقال: يعرف كذا؛ لمَّا كانت المعرفة تستعمل في العلم القاصر المتوصَّل به بتفكُّر، قال تعالى:(فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) {البقرة: 89} وقال الله تعالى: (وَلَوْ نَشَاء لارَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ) {محمد: 30} وقال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) {البقرة: 146) ويضاد المعرفة: الإنكار، والعلم: الجهل، قال تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ) النحل: 83} )) [2] .
(1) ينظر: مقاييس اللغة ص 596؛ 658 - 659.
(2) المفردات ص 342 - 343.