الصفحة 74 من 142

ترادفَ تطابقٍ ولا تضمين في كتاب الله المبين، والظن بوجود ألفاظ متطابقة في معانيها جاء من أمرين:

الأول: من كلام البشر، فالبشر شعراء كانوا أم غير شعراء، قدامى كانوا أم محدثين غالبًا ما يرومون المعنى العام، فهم لا يهمهم أن يضعوا الألفاظ بعضها مكان بعض وإن افترقت عن بعضها بمعانيها الخاصة، ما دامت قد اتحدت في المعنى العام، من ذلك مثلًا قول الفراء: (( والعرب تجعل الباء في موضع(على) رميتُ على القوس وبالقوس، وجئتُ على حال حسنة، وبحال حسنة )) [1] فاستعمال (على) هنا مرة، والباء مرة أخرى، لا يعني تطابقهما البتة، وإنَّما جاز وضع أحدهما في موضع الآخر؛ لأنَّ كليهما يوصل المتكلم العربي إلى المعنى العام الذي يروم التعبير عنه، فكل ما يريده المتكلم هنا مثلًا هو التعبير عن حسن حاله عند مجيئه، سواء توصَّل إليه بالباء التي تفيد معنى الإلصاق، وقال: جثتُ بحال حسنة، أو توصَّل إليه بـ (على) التي تفيد معنى الاستعلاء، وقال: جئتُ على حال حسنة، أو توصَّل إليه باستعمال (في) التي تفيد معنى الدخول في الشيء، وقال: جئتُ في حال حسنة، وهذا هو الذي أوهم بوجود ألفاظ متطابقة في معانيها في كلام البشر، ثم قاسوا عليه كلام الله سبحانه، فقالوا بوجوده في كتاب الله، وهذا جائز وحاصل في كلام البشر، لكنه غير جائز، وغير حاصل في كلام الله، فالقرآن الكريم لم يستعمل لفظًا بمعنى لفظ آخر، مهما بدا أنَّه قد وُضِع في موضع اللفظ الآخر: ومهما بلغت درجة تقاربهما في نظر الباحثين والدارسين، ويبدو أنَّ الذي دفع القائلين بوجود التضمين والتطابق في القرآن الكريم عجزهم، أو تقاعسهم عن كد

(1) معاني القرآن 1/ 259.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت