الصفحة 102 من 141

وأخفت أهل الشرك حتى أنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق [1]

وهذا شرك ليس غلوًا فيه.

غير أن قدامة لم يشقق المبالغة إلى ما ذكرنا من مبالغة وإيغال وغلو وإنما نقلها بهذه المفاهيم من خلال ما أورده من شعر يحمل المبالغة فيضعف معناه أو يشتد أو يحمل «مبالغات مكررة مضاعفة, ثم أفرد نعتًا خاصًا بالإيغال فقال:

الإيغال: هو أن يأتي الشاعر بالغني في البيت تامًا من غير أن يكون للقافية في ما ذكره صنع ثم يأتي لها لحاجة الشعر فيزيد بمعناها في تجويد ما ذكره من المعنى في البيت كما قال امرؤ القيس:

كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب [2]

ونجد ابن رشيق في القراضة يستشهد بالبيت نفسه على هذا اللون من المبالغة غير أنه يسميه بالتتميم والاحتراس, ويسميه قدامة بالإيغال.

يقول ابن رشيق: «ومن المبالغة قول امرئ القيس في التتميم والاحتراس:

كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

قال: تناوله زهير فقال:

كأن فتات العهن في كل منزل ... نزلن به حب الغنا لم يحطم

قال: وهو كثير في شعر امرئ القيس, ويسمي أصحاب البديع ما كان مخصومًا من هذا النوع بالقافية الإيغال والتتبع, وما كان في أضعاف البيت المبالغة والتتميم وفي كتاب العمدة من ذلك جملة كافية» [3] .

ولذلك نرى ابن رشيق يلتقي مع قدامة في مفهوم هذه الألوان البديعية من مبالغة وغلو وإيغال وتتميم واحترس, غير أن ابن رشيق فرع فن المبالغة إلى أكثر مما ذهب إليه قدامة.

ويلتقيان في مفهوم الالتفات والتجنيس والمطابقة, وعيوب التشبيه متأثرًا ابن رشيق بكثير من آراء قدامة في دراسة هذه المقاييس».

والرأي ما يراه عبدالقاهر الجرجاني الذي يذهب إلى أن ألوان البديع لا تحلو لمجرد الآتيان لها وتصيدها وإنما إذا كان المعنى هو الذي يطلبها على حد قوله: «ولن تجد أيمن طائرًا, وأحسن أولًا وأخرا, وأهدى إلى إحسان, وأجلب للاستحسان, من أن ترسل المعاني على سجيتها وتدعها تطلب لا نفسها الألفاظ فإنها إذا تركت وما تريد لم تكتس إلا ما يليق بها, ولم تلبس من المعارض إلا ما يزينها فأما أن

(1) قدامة بن جعفر والنقد الأدبي, د. بدوي طبانة ص 272, 273.

(2) نقد الشعر لقدامة بن جعفر, ص 168.

(3) القراضة ص 33, 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت