حملت حمائله القديمة بقلة ... من عهد عاد غضة لم تذبل
فقال ابن المعتز متبعا ًله وآخذ منه:
ويهزون كل أخضر كالبقلة ... ماض على القلوب رسوب
ولا يعد سرقة ما كان من الألفاظ الجاري على ألسنة العرب, وكذلك ما كان من المعاني الظاهرة المعتادة فإنها معرضة للإفهام مسلطة على فكر الأنام. ومن ها هنا قل اختراع المعاني وقلت السرقات فيها .. انتهى كلامه [1] .
فهذا الذي نراه عند ابن رشيق عن سرقة المعنى واللفظ إنما هو مستوحى من كلام علي بن عبدالعزيز الجرجاني ورأيه في سرقة المعنى واللفظ حيث يقول:
وقد يتفاضل متنازعو المعاني بحسب مراتبهم من العلم بصنعة الشعر فتشعرك الجماعة في الشيء المتداول, وينفرد أحدهم بلفظة تستعذب أو ترتيب يستحسن أو تأكيد يوضح موضعه, أو زيادة اهتدى لها دون غيره فيريك المشترك المبتذل في صورة المبتدع المخترع كما قال لبيد:
وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها
فأدى إليك المعنى الذي تداوله الشعراء, وقال امرئ القيس:
لمن طل أبصرته فشجاني ... كخط زبور في عسيب يماني
وقال حاتم:
أتعوف أطلالًا ونؤبًا مهدمًا ... كخطط في رق كتابًا منمنمًا
وقال الهزلي:
عرفت الديار كرسم الكتاب ... يزبره الكتاب الحميري
وأمثال ذلك مما لا يحصى كثرة ولا يخفى شهرة [2] .
ونجد في القراضة كثيرًا من هذه الآراء في عد ما هو من السرقة, وما هو من غير السرقة وإنما هو من المعاني المتداولة يأخذ منه هذا الشاعر وليس عيبًا في نظر ابن رشيق, كما أنه ليس عيبًا ولا سرقة في رأي الجرجاني.
ومن مصادر النقد الأدبي التي تأثر باتجاهها وأفاد من موضوعاتها ابن رشيق في قراضته كتاب من أنفس المصنفات في النقد ذلك هو كتاب: «الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري» لأبي القاسم الحسن بن بشر الأمدي (ت 370 هـ) . فقد تحدث فيه عن ألوان من الموازنات النقدية التي احتذاها القدماء بعده وألف فيها عدد من نقاد الأدب في العصر الحديث وأفاد من منهجها القدماء بعده وألف فيها عدد من
(1) القراضة ص 19, 20.
(2) الوساطة 186, 187.