الصفحة 108 من 141

لأنها أحنة وأحن ولا يقال حنات [1] .

وكثيرة هذه الشواهد التي أوردها الآمدي في الموازنة ووضعها تحت مجهر النقد من خلال آراء النقاد واللغويين وأرباب البلاغة والفصاحة.

ومثل هذا المنهج نجده في القراضة عند ابن رشيق كقوله: «وأول ما بدأ به من ذلك قول امرئ القيس من جهة الاستعارة» «بمنجرد قيد الأوابد هيكل» .

فإنه أول من قيدها, وسبق إلى الاستعارة البديعة فاتبعه الناس فقال بعضهم: «بمجرد قيد الأوابد هيكل» .

فزاد زيادة كانت بالنقض أسبه, لأن الرهائل لا يقيد, وإن استعير لها ذلك فبعيد واستغرق قول ابن المعتز: «كأن ما يفر منه يطلبه» .

وإن كان غاية لكون القيد ألزم ليد المطلوب وهما فيه أحصل قال ابن رشيق: وقال زهير: «وعري أفراس الصبا ورواحله» .

وهذا من محاسنه المشهورة, ومفاخره المعدودة. وقد تناوله منصور النمري فقال:

وأهدت له الأيام عنهن سلوة ... وعري من رحل الصبابة غاربة

فانقلب المعنى عليه والتبس, لأنه أوهم السامع أنه كان مطية للصبابة وإن كان مراده إضافة الغارب إلى الراحل أو إلى المركوب محذوف كأنه قال: «غارب راحله» أو جعله كناية عن المركوب كما يقال: عنده من الظهر كذا وكذا, وكان حقه أن يقول: وعري غارب الصبابة من رحله.

ومن مثل هذا النقد في القراضة قول ابن رشيق عن بيت أبي عمرو أحمد ابن دراج القسيلطي:

إذا غرب الحادي بهم شرقت بنا ... نوى يومها يومان والحين أحيان

قال: ففيه عيب ظاهر, وذلك أنه قال: يومان. وقال: أحيان وكان يلزمه أن يقول: حينان اللهم إلا أن يريد تفاوت السير في الريث والعجل [2] .

ومن هنا نجد ابن رشيق قد ترسم نهج الآمدي في توجيه هذه المآخذ على هؤلاء الشعراء فإن مآخذه لم تخرج عن تنكب جادة التعبير السليم من حيث ما يتعلق بصحة اللفظ فصاحة وبلاغة ولغة.

وإذا انتقلنا إلى كتاب «الصناعتين الذي ألفه أبو هلال الحسن بن عبدالله بن سهل بن سعيد العسكري (ت 395 هـ) ألفينا تأثر ابن رشيق واضحًا جليًا فيما حواه كتاب الصناعتين من موضوعات في النقد والبلاغة وخاصة ما يتعلق بالبديع فقد أفاض أبو هلال في شرح البديع وحصر ألوانه وتعريف كل فن منه مع ذكر الشواهد والأمثلة عليه من القرآن الكريم والحديث الشريف وجيد المنظوم والمنثور من كلام العرب.

(1) الموازنة للآمدي ص 38 وما بعدها.

(2) القراضة ص 21, 23, 53.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت