فلا تأمنن حرًا ظلمته ... فما ليل مظلوم كريم بنائم
فقوله «كريم» تتميم, لأن اللئيم يغضي على العار, وينام على الثأر, ولا يكون منه دون المظالم نكير.
وقول عمرو بن الأهيم:
بها نلنا الغرائب من سوانا ... وأحرزنا الغرائب أن تنالا
فالذي أكمل جودة المعنى قوله: «وأحرزنا الغرائب أن تنالا» , وقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
فقوله: غير مفسدها» أتمام وتحرز من الوقوع فيما وقع فيه ذو الرمة في قوله:
ألا يا أسلمي يا درا مي على البلى ... ولا زال منهلا بجرعاتك القطر
فهذا بالدعاء عليها أشبه بالدعاء لها, لأن القطر إذا أتهل فيها دائمًا فسدت, ومن العجيب أن ذا الرمة كان يستحسن قول الأعرابية.
وقد سألها عن الغيث فقالت: «غثنا ما شئنا» وهو يقول ما يستحسن [1] ويمضي أبو هلال في الشوط إلى مداه فيدرس فن التتميم والتكميل في كثير من جيد المنظوم والمنثور.
ونجد ابن رشيق يدرس هذا الفن بنظرة أبي هلال من خلال طائفة من جيد المنظوم ويلقي مع أبي هلال في بعض الشواهد, فيرى أن ابن رشيق يدرس فن التتميم مسميًا إياه مرة بالتتميم ومرة بالاحتراس. وهذه المصطلحات العلمية لفنون البديع كثيرًا ما يتفق فيها عدد من العلماء ويختلف فريق آخر.
وحول هذا الفن يقول ابن رشيق:
إذا ركبوا واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر
فقول «واليوم قر» من تتميم المعنى ومبالغة في اللفظ شديدة وهو الذي فتق للشعراء هذا الفن وافتنوا فيه ونوعوه فجاؤا «بلاحتراس» وغيره يقول طرفة:
فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي
وقال آخر:
إذا الله أسقى دمنتين ببقعة ... من الأرض سقيا رحمة فسقاهما
وقال أبو الطيب:
صلى الإله عليك غير مودع ... وسقى ثرى أبويك صوب غمام
ومن ذلك قول امرئ القيس في التتميم والاحترس:
كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب [2]
(1) الصناعتين ص 404 وما بعدها.
(2) القراضة ص 32, 33.