ويمضي ابن رشيق متتبعًا فن التتميم والاحتراس في طائفة كثيرة من أقوال الشعراء.
وتارة يسمي هذا الصنف بالتتميم ومرة بالاحتراس وأخرى بالمبالغة والإيغال والتتبيع.
ويظهر تأثره بصاحب الصناعتين في النظرة إلى هذا الفن. أعني فن التتميم والتكميل. عند أبي هلال, والتتميم والاحتراس والمبالغة والإيغال والتتبيع عن ابن الرشيق «يظهر تأثر ابن رشيق في نظرة أبي هلال فقد أبان عن حسن هذا الفن من خلال حسن اللفظ وجودة المعنى وهذا هو نظر ابن رشيق أيضًا فقد قال عن بيت امرئ القيس من قوله: «واليوم من تتميم المعنى ومبالغة في اللفظ شديدة» .
ولا أرى في اللفظ تستدعي هذا الحكم.
ومن ضمن الفنون البديعية التي درسها أبو هلال, وأفاد منها ابن رشيق فن المطابقة والتجنيس, وعن هذين اللونين من ألوان البديع يقول أبو هلال في الصناعتين:
«قد أجمع الناس على أن المطابقة في الكلام هي الجمع بين الشيء وضده في جزء من أجزاء الرسالة أو الخطبة أو بيت من بيوت القصيدة, مثل الجمع بين السواد والبياض, والليل والنهار, والحر والبرد.
قال: والطباق في اللغة المع بين الشيئين. يقولون طابق فلان بين ثوبين ثم استعمل في غير ذلك فقيل: طابق البعير في سيره إذا وضع رجله موضوع يده وهو راجع إلى الجمع بين الشيئين. قال الجعدي:
وخيل يطابقن بالدارعين ... طباق الكلاب يطأن الهرسا
وفي القرآن: {سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا} [1] .
وبعد أن يفرغ أبو هلال من شرح معنى المطابقة يخلص إلى شواهدها من المنظوم والمنثور قائلًا:
ومما في كتاب الله عز وجل من الطباق قوله تعالى:
{يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [2] .
{لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [3] أي من الكفر إلى الإيمان.
{لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) } [4] .
{لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) } [5] .
{وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) } [6] .
قال: وقد تنازع الناس هذا المعنى, قال ابن مطير: «تضحك الأرض من بكاء السماء» وقلت: ضحك المزن بها ثم بكى.
(1) سورة الملك الآية 3.
(2) سورة الحج الآية 61.
(3) سورة الأحزاب الآية 43.
(4) سورة الحديد الآية 63.
(5) سورة النحل الآية 20.
(6) سورة النجم الآية 43.