الصفحة 13 من 141

من حسنات الدهر عندي ليلة ... من العمر لم تترك لأيامها ذنبا

خلونا بها ننفي القذى من عيوننا ... بلؤلؤة مملؤة ذهبا سكبا

وملنا لتقبيل الثغور ولثمها ... كمثل جنوح الطير يلتقط الحبا

حين قال هذا الشعر, قال الأبيوردي: وما هذا بأحسن من قول ابن المعتز:

كم من عناق لنا ومن قبل ... مختلسات حذار مرتقب

نقر العصافير وهي خائفة ... - من النواطير. يانع الرطب

وقال صاحب الوافي:

«قلت مقام ابن المعتز غير مقام ابن رشيق, لأبن ابن رشيق ذكر أنه في ليلة أمن, وهي عنده من حسنات الدهر, فلهذا حسن تشبيه التقبيل مع الأمن بالتقاط الطير الحب, لأنه يتوالى دفعة بعد دفعة, وأما ابن المعتز: فإنه كان خائفا يختلس التقبيل ويسرقه, كما يفعل العصفور في نقر الرطب اليانع, لأنه يقدم جازعا ًخائفًا من الناطور, فلا يطمئن فيما يلتمسه» [1] .

وهذا النقد من الأبيوردي وصاحب الوافي نقد صائب يدل على بصر بالشعر وتذوقه, غير أن حسن الصياغة لفظًا وبحرًا وقافية عند ابن رشيق أدق وأجمل وأجود من نسق الصياغة في بيتي ابن المعتز, ألا ترى أن الفصل بين المصدر ومعموله بالجملة الحالية في قول ابن المعتز:

نقر العصافير - وهي خائفة ... من النواطير يانع الرطب

قد ذهب بشيء من حسن الرونق, ونقص من حسن الصياغة. وليس هذا موضعًا لبسط مثل هذه الومضات والآراء النقدية سواء من مقاييس النقد عند ابن رشيق, أو من مقاييس النقد عند غيره. فسوف أبسط ذلك عند الكلام على الموازنة آخر فصول هذه الدراسة.

ومن شعره الجيد الرصين قوله في فضائل مدينة القيروان:

كم كان فيها من كرام سادة ... بيض الوجوه شوامخ الإيمان

متعاونين على الديانة والتقى ... لله في الإسرار والإعلان

ومهذب جم الفضائل باذل ... لنواله ولعرضه صوان

وآئمة جمعوا العلوم وهذبوا ... سنن الحديث ومشكل القرآن

علماء إن ساءلتهم كشفوا العمى ... بفقاهة وفصاحة وبيان

وإذا الأمور استبهمت واستغلقت ... أبوابها وتنازع الخصمان

حلوا غواض كل أمر مشكل ... بدليل حق واضح البرهان

هجروا المضاجع قانتين لربهم ... طلبًا لخير معرس ومعان [2]

(1) مقدمة محقق كتاب العمدة ترجمة المؤلف ص 11, 12, 13.

(2) أي منزل بمعنى موضع التعريس أي الاستراحة: مادة عرس لسان العرب ص 136 جـ 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت