الصفحة 22 من 141

تجاوب نوح بات يندب شجوه ... وأيدي ثكالى فوجئت بالفواجع

وأن بعض من لا خلاق له في الأدب, ولا معرفة له بحقائق الكلام عارضك فيهما بالطعن, ونازعك معناهما بالجهل, وادعى غليهما ضربا ًمن السرق, ونوعًا من الأخذ ولم تؤت - أيدك الله - من قصر لسان, ولا ضعف حجة وبيان, لكنما أتيت من سوء فهم صاحبك وقلة إنصاف مشاغبك, لأن المعنى المأخوذ بزعمه إنما هو قول عبدالكريم بن إبراهيم النهشلي يصف ما يحدث عند اندفاع الجدول في الماء من تلك الرغوة والنفحات:

قد صاغ فيه الغمام أدمعه ... درآ ورواه جدول غمر

يجيش فيه كأنما رعشت .. ... إليك منه أنامل عشر

فإن كان المعترض أراد ذكر هذا الارتعاد والارتعاش وذكر الأصابع والأنامل فصدق إلا أن هذا لا يعد سرقة في السرق لعلل شتى منها أن القصد غير واحد, ولا أحب الاعتراض على عبدالكريم, وليس ها هنا ذنب أؤاخذه به, وإنما الجناية لغيره: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .

ولو أن هذا الناقد بصير لنظر نظر تحقيق, وتأمل وتأمل رفيق فعرف بعد ما بين المقصدين على قرب ما بين اللفظين, ولم يكن ذلك عنده محظورًا, لأن عبدالله بن المعتز يقول في صفة الجدول:

كفيل لأشجارها بالحياة ... إذا ما جرى خلته يرتعش

وليس لفظ الارتعاش من خاص البديع, فيعد ذكرها سرقة كما عدّ علينا وما الذي يشبه أنامل شيخ قوائمه ترتعش كبرًا حتى شبه عبدالكريم بها ذلك الزبد المقبب منبعثًا من مسقط النهر من أصابع ثكالى مبسوطة ترتعد طيشا وجزعًا عند مفاجأة المصيبة على عادات النساء شبهت. أنا. بها تلك العذب الخافقة.

وهلا نظر إلى قول إمام الشعراء امرئ القيس:

كلمع اليدين في حبي مكلل

فعلم أن الأخذ منه أقرب والوقوع تحته أشرف ولكن إلى ها هنا بلغ عمله وأدته مقدرته, ولو عد مثل هذا سرقة لم يسلم شيء من الكلام على أني ما ادعيت أني ابتكرت هذا المعنى وإن كنت لم أره لأحد على هذه الصيغة فيطالبني فيه مطالبة من ادعى ما ليس له وسمًا إلى فوق خطته.

وإنما استحسنته أنت إما لما أرتك عين الرضى والمودة وإما لما أداك إليه تمييزك وأعطتك قريحتك .. أ هـ».

هذه هي مقدمة القراضة أو لموضوع من موضوعاتها. وبنص ما حرره المحقق (الشاذلي بو يحيى) .

إن هذه المقدمة قطعة أبدية حررها ابن رشيق موردًا في ثناياها عددًا من الأعلام, وعددًا من المختارات الشعرية لعدد من الشعراء ومستعملًا في بعض عباراتها عددًا من الكلمات الغامض معناها سواء من تعابيره أو تعابير من ساق له شاهدًا على مراده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت