الصفحة 26 من 141

إذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرقت الأرض واليوم قر

فقوله: «واليوم قر» من تتميم المعنى ومبالغة شديدة.

ويمكننا القول من خلال هذا الشاهد أن ابن رشيق تحدث عن المبالغة متبعًا إياها الحديث عن الإيغال والغلو ضمنًا كما أسلفنا, لأن قوله: ومبالغة شديدة تعني ما بعد المبالغة والإيغال وليس بعدهما من شيء سوى الغلو.

ويمضي ابن رشيق في الكلام على المبالغة وعدها مقياسًا من المقاييس النقدية في تقويم الأعمال الأدبية عند الشعراء فيقول عن امرئ القيس:

«وهو الذي فتق للشعراء هذا الفن. يعني المبالغة وافتنوا فيه ونوعوه فجاؤا بالاحتراس وغيره.

ويفهم من كلام ابن رشيق. هنا. أن النقاد البلاغيين عدو الاحتراس من المبالغة في المعنى, وهذا كلام يحتاج إلى تدقيق, ولأن الاحتراس ربما يكون من الحشو الذي لا يغني, أو من الحشو الذي يأتي لمزيد المعنى لكن لا يصل إلى حد المبالغة.

ويسوق ابن رشيق بيت طرفة بن العبد مستشهدًا به على الاحتراس الذي تفنن فيه الشعراء مبالغة في معانيهم وسماه البلاغيون والنقاد بهذا الاسم «الاحتراس» قال طرفة:

فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمي

وقال آخر:

إذا الله أسقى دمنتين ببقعة ... من الأرض سقيا رحمة فسقاهما

وقد ورد البيت في نقد الشعر لقدامة بنص: «إذا الله سقى دمنتين ببلدة» وقال هو لرجل من عبس [1] .

وقال أبو الطيب:

صل الإله عليك غير مودع ... وسقى ثرى أبويك صوب غمام

ومن هذه المبالغة قول امرئ القيس في التتميم والاحتراس:

كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقب

ومن هنا نفهم. أيضًا. أن ابن رشيق بعد التتميم والاحتراس من المبالغة وما أبعدهما عن هذا الفن فأي مبالغة في قول امرئ القيس:

«الجزع الذي لم يثقب» ؟ إنه تتميم ليس إلا.

قال: فتناوله زهير فقال:

كأن فتاة العهن في كل منزل ... نزلن به حب القنا لم يحطم

(1) هامش القراضة, ص 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت