وهو كثير جدًا في شعر امرئ القيس, ويسمي أصحاب البديع ما كان مخصوصًا من هذا النوع بالقافية: الإيغال والتتبيع, وما كان في أضعاف البيت: المبالغة والتتميم, وفي كتاب العمدة من ذلك جملة كافية إن شاء الله تعالى.
ومما يدل على أن ابن رشيق تحدث عن الغلو في المعاني الحديثة عن المبالغة في قول امرئ القيس ومن تبعة في معناه:
قال: - أعني ابن رشيق: ومن مبالغته المشهورة - يعني امرأ القيس:
من القاصرات الطرف لو دب محول ... من الذر فوق الأتب منها لأثرا
أخذه حسان رضي الله عنه فقال:
لو يدب الحولي من ولد الذر ... عليها لأندبتها الكلوم
فقصر عنه كثيرًا, لأن امرأ القيس قال: «فوق الأتب» .
وأرى أن حسانًا. رضي الله عنه. لم يقصر في معناه بحجة أن امرأ القيس تمم معناه بلفظتي «فوق الأتب» وأن حسانًا أطلق دبيب الذر ولم يقيده حيث قال: «لو يدب الحولي من ولد الذر عليها ... » لأن دبيب الذر «على الأتب» لا مزيد للمعنى من ذكره. فهو: «ثوب أو برد يؤخذ فيشق في وسطه, ثم تلقيه المرأة في عنقها من غير جيب ولا كمين» [1] .
فإذا دب عليه الذر فما وجه تأثيره فيما تحته؟ أيعني امرؤ القيس ظهورا الأثر في الجسم لفرط ليونته على الرغم من ستره بالأتب.
إذا كان ذلك كذلك فقول حسان قد أدى هذا الغرض من خلال لفظة «عليها» فبيان الأثر حاصل وجد أتب أو لم يوجد.
قال ابن رشيق: وأيضًا في بيته. يعني امرؤ القيس. معنى متقدمًا وهو قوله: «من القاصرات الطرف» . أراد أنهن منكسرات الجفن خافضات النظر غير متطلعات إلى ما بعد, ولا ناظرات إلى غير أزواجهن. كما قال أهل التفسير.
ويجوز أن يكون «من القاصرات الطرف» بمعنى طرف الناظر إليهن أي لا يتجاوزهن بالنظر.
أما نقد ابن رشيق حول عبارة امرئ القيس «من القاصرات الطرف» فنقد صائب يكفي أن الله سبحانه وتعالى امتدح تلك الصفة فقال: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْف} , وإن كان المقصود بهذا نساء الجنة «الحور العين» ففي تمثل صفتهن هذه من لدن نساء الدنيا دليل العفة.
(1) لسان العرب, مادة «أتب» جـ 1 ص 205.