ولكن هذه العبارة أعني «من القاصرات الطرف» لم تكن سببًا في قصور المعنى عند حسان, ألم أن تر في قوله رضي الله عنه: «من ولد الذر» مزيد فائدة أعطت المبالغة حسنًا في المعنى فاتت على امرئ القيس, وخفيت على ابن رشيق؟؟
فإن حسانًا قال «من ولد الذر» فجمع بين التأثير مما كبر وصغر من الذر.
ويمضي ابن رشيق في عرض «المبالغة» وبيان أثرها في كمال المعنى وعمقه وحسنه فيروي قول أبي الطيب في هذا الشأن:
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
قال: وتناول ابن المعتز ما تناوله حسان من بيت امرئ القيس وتجاوز الحد فقال:
رق فلو مرت به ذرة ... في رجلها نعل من الورد
لمزقت ديباجتي خده ... من غير أن جازت على الخد
وفي نقد ابن رشيق لبيتي ابن المعتز هذين ما يجعلنا نجزم بإيراده الغلو ضمنًا. كما مر. فقوله: «وتجاوز الحد» يعني أفرط في معناه بحيث تجاوز المبالغة والإيغال إلى الغلو, والغلو عند أهل الشعر واللغة مجاوزة الحد:
قال: ويعدون من مشهور المبالغات ومتجاوزها قول امرئ القيس:
تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عالي [1]
أراد نظر القلب لا نظر البصر, لأن «أذرعات» بالشام, ويثرب مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام, وذلك ما لا يمكن أن يرى منه نارًا إلا تخيلا بقلبه لا غير.
وقال في المبالغة والثقة بفرسه إذا أراد الصيد:
إذا ما ركبنا قال ولدان حينا ... تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
أخذه ابن المعتز فقال في صفة الجارح:
قد وثق القوم له بما طلب
فهو إذا جلى لصيد واضطرب
سلو سكاكينهم من القرب
وأرى أن قول ابن المعتز أكد في المبالغة من قول امرئ القيس في معنى الثقة بفرسه «تعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب» فربما يظلون طوال وقتهم يحطبون ثم يأتي صيد أو لا يأتي ..
لكن تحقق المطلب بالحصول على الصيد في قول ابن المعتز ليس فيه قيد بزمن فكأنما هو آت وحاصل لا محالة فما على المنتظرين إلا التجهز وسل السكاكين من القرب.
(1) رواية القراضة «ودائرها» , ص 35.