الصفحة 29 من 141

قال ابن رشيق: وقلت في صفة قسي البندق:

طير أبابيل جاءتنا فما برحت ... إلا وأقواسنا الطير الأبابيل

يرمينها بحصى طين مسومة ... كأن معدنها للرمي سجيل

تغدو على ثقة منا بأطيبها ... والنار تقدح والطنجير مغسول

ولنا وقفة مع هذه الأبيات لابن رشيق عند الكلام على مقاييسه النقدية المبنية على أسس بلاغية.

انتهى كلام ابن رشيق على المبالغة فقد ختمه بإيراد ثلاثة شواهد على الإشارة والتتبيع والإرداف.

ويعقد ابن رشيق موضوعًا خاصًا بالحديث عن «الإيجاز» في الصفحة الثامنة والثلاثين, والصفحة التاسعة والستين ويورد له عددًا من الشواهد الشعرية لامرئ القيس ولغيره من الشعراء. فيقول متحدثًا عن الإيجاز عند هذا الشاعر:

ومن مليح الإيجاز وعجيبة قوله: «وإن كنت قد أزمعت قتلي فأجملي» أي اقتلي جملة, ولا تنوعيه, وهو عندهم نظير قوله:

فلو أنها نفس تموت سوية ... ولكنها نفس تساقط أنفسا

وأرى: أن المعنى الذي يريده امرؤ القيس من قوله: «فأجملي» غير الذي شرحه ابن رشيق بقوله: أي اقتلي جملة ولا تنوعيه فإنما أراد امرؤ القيس معنى أحسني وترفقي وتلطفي مما هو بمعنى أجمل في الطلب وفيما تنوي فعله مما هو مضر بمن تريد النيل منه, ويعضد هذا المعنى قول امرئ القيس في الشطر الأول من هذا البيت: «أفاطم مهلًا بعض هذا التدلل» .

وهنا يكون معنى «قتلي» أو «صرمي» في رواية أخرى بمعنى تعذيبي في حبي إياك شأن من تغفل به الصبابة ويلعب به الهوى.

قال ابن رشيق: آخذه - أي معنى امرئ القيس - عبدة بن الطبيب [1] فقال يرثي قيس بن عاصم:

فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما

هذا معنى من جعل هلكه هلك جميع الناس ممن اتبعه وعاش في رفده كقول آخر:

لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا شاه تموت ولا بعير

ولكن الرزية فقد قرمٍ ... يموت لموته خلق كثير

أخذه المجنون على التأويل الأول, وهو أولاهما بامرئ القيس فقال:

عجبت لعروة العذري أضحى ... أحاديثًا لقوم بعد قوم

وعروة مات موتًا مستريحًا ... وها أنا ميت في كل يوم

وقال كثير:

(1) من بني عبد شمس بن كعب بن سعد بن زيد مناة من تميم شاعر مخضرم أدرك الإسلام فأسلم وشهد مع المثنى بن حارثة قتال هرمز, انظر ترجمته في الشعر والشعراء, ص 727.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت