ونفس إذا ما كنت وحدي تقطعت ... كما انسل من ذات النظام فريدها
وقال قيس بن ذريح قبلهما:
تساقطت نفسي حين ألقاك أنفس ... يردن فلا يصدرن ألا صواديا
هذا كل ما ذكره ابن رشيق عن فن «الإيجاز» حين اتخذه مقياسًا لتقويم الأعمال الأدبية, وقد قصر شواهده على عدد من الشعراء واقتصر على عدد قليل من الأبيات.
ولم يشر إلى إيجاز الحذف في المعاني الأدبية التي يطرقها الشعراء فالبين من الشواهد التي ساقها إنما هي من إيجاز القصر الذي عرفه البلاغيون بأنه إيراد المعنى الكثير في اللفظ القليل.
فإيجاز القصر في قول امرئ القيس واضح من عبارته «فأجملي» فإن هذه اللفظة أدت معنى كثيرًا إذ تحتها معنى اقتلي جملة تفصيلًا ولا تتخذي في طريقة قتلي طرقًا منوعة ألقى من خلالها العذاب الطويل ففي قتلك لي جملة واحدة إراحة من العذاب.
والإيجاز في قوله: «فلو أنها نفس تموت سوية» متحقق من خلال لفظة «سوية» أي تموت دفعة واحدة ولا يكون في نوعية موتها ما يؤدي إلى العذاب فتموت عضوًا عضوًا أو تموت من جراء ألم طويل يهلك صاحبه على أمد طويل فكل هذه المعاني أدتها لفظة «سوية» وفي البيت إيجاز بالحذف.
وإيجاز القصر في قول عبدة بن الطبيب إنما هو عبارته: «هلكه هلك واحد» , وفي قوله: «بنيان قومها تهدما» .
فالعبارات تحتهما معاني كثيرة دون حذف أي لفظ.
ومثله إيجاز اللفظ في قول من بعده نجده في عبارة البيت «يموت لموته خلق كثير» .
وهكذا نجد المعاني التي درسها ابن رشيق من خلال فن الإيجاز إنما هو مما يختص بالإفصاح عنها مجاز القصر. وابن رشيق هنا لم يتعرض لفن الإيجاز بالحذف لأنه لم يبن مقاييسه النقدية والبلاغية على دراسة تبحث في جميع خصائص الفن البلاغي واستعمالاته ومصطلحاته البلاغية عند البلاغيين.
ولو فعل لبلغت «القراضة» أضعاف ما هي عليه من موضوعات تخرج بها من وسمها بالقراضة إلى وسمها بكتاب كبير موضوعه «البلاغة فنونها وخصائصها واستعمالاتها» وليس هذا الصنيع مما نشط له في كتابه هذا.
ويتحدث ابن رشيق عن موضوع آخر من موضوعات القراضة فيدرج تحته عددًا من الشواهد الشعرية التي يزيد حسنها: الالتفات والحذف والمحاورة وابتكار المعاني والاستعارة, ويشغل هذا الموضوع أربع عشرة صفحة من نسخة المحقق يبدؤها ابن رشيق بشواهد الالتفات قائلًا: «ومن باب الالتفات قول امرئ القيس:
مجاورة بني شمجى بن حزم ... هوانًا ما أتيح من الهوان
وتمنحها بن شمجى بن حزم ... معيزهم حنانك ذا الحنان